الثلاثاء، 18 أكتوبر 2016

كتاب "تأملات وقراءات في قضايا فلسفية"

صدر لنا كتاب "تأملات وقراءات في قضايا فلسفية" سنة 2016 عن منشورات ضفاف بلبنان، وبشراكة مع ثلاثة دور نشر أخرى هي: كلمة للنشر والتوزيع بتونس، منشورات الاختلاف بالجزائر، دار الأمان بالمغرب.







فهرس الكتاب:


الفصل الأول: إشكالات وتأملات فلسفية
           إشكالية الفن و الواقع عند أفلاطون
          مفهوم المحاكاة في الفن عند أرسطو
      الجمال الطبيعي والجمال الفني عند هيجل
      في دلالة أسطورة الكهف عند أفلاطون
      إمكانية المعرفة وحدودها
      فكرة النفس عند دفيد هيوم
      تأملات في فلسفة ديكارت
      حدود العقل عند إيمانويل كانط
      الإنسان كائن أخلاقي
      الواجب الأخلاقي عند كانط
      تأملات حول مفهوم الحقيقة
  انفراد الإنسان بالعقل
      في معضلة الحرية
      حرية الإنسان عند اسبينوزا
      تأملات في العنف
      مفهوم الشخص عند جون راولز
الفصل الثاني: قراءات فلسفية
      أسس ميتافيزيقا فلسفة لايبنتز؛ تقديم لكتاب "المونادولوجيا"
      نظرية المعرفة عند دفيد هيوم؛ من خلال قراءة في كتاب زكي نجيب محمود: "ديفد هيوم"
      تقديم لكتاب "التأملات" لديكارت
      نظرية المعرفة عند كانط؛ تقديم لكتاب زكريا إبراهيم: "كانط أو الفلسفة النقدية"
      تاريخ الفلسفة عند هيجل
      قراءة الجابري لابن سينا: أسسها ومراميها
ملحق: نصوص فلسفية
      قائمة المراجع




 مقدمة الكتاب:
 
مقدمة

يبدو أن الفلاسفة لا يتناولون إلا القضايا الشائكة، ولا يطرحون سوى الأسئلة التي لا نجد جوابا واحدا عنها. وبهذا المعنى يمكن القول بأن الفلسفة لا تهتم إلا بالإشكالات المحيرة للفكر البشري، وأن أسئلتها تنبثق من الألغاز التي تعتري الوجود الإنساني. فاللغز يدفع إلى الدهشة، وهذه الأخيرة تمثل الرحم الذي يخرج منه السؤال الفلسفي الباحث عن حل أو إجابة ممكنة عن اللغز/المشكلة.
وهذه المشكلات الشائكة والملغزة يلمسها ويعيشها كل من تجرأ على ولوج عالم الفلسفة الواسع والرائع. فالفلسفة تحتاج إلى جرأة في استخدام العقل، إذ لا يلج عالمها إلا من كانت له مثل هذه الجرأة الفكرية. كما أن عالم الفلسفة شاسع؛ فهي بحر لا ساحل له، إذ يهتم الفلاسفة بقضايا لا حصر لها: وجودية وجمالية وأخلاقية وسياسية ولغوية ومعرفية ...الخ.
 ويبدو أن عالم الفلسفة رائع؛ وروعته تأتي من طبيعة مواضيعه المحيرة للعقل والمرتبطة بقضايا أساسية في حياة الإنسان. كما أن طبيعة تناول الفلاسفة ومعالجتهم لتلك المواضيع هي أيضا ممتعة ورائعة؛ فالروعة تأتي من الموضوع والمنهج معا.
ويمكن الوقوف عند خاصيتين أساسيتين في تفكير الفيلسوف؛ فهو أولا يحلل القضايا والظواهر لكي يفككها إلى أجزائها الأساسية في محاولة منه لفهمها على نحو أفضل، وقد جعل ديكارت قاعدة التحليل أو التقسيم كقاعدة أساسية ضمن قواعده الأربع لحسن استخدام العقل، ثم إنه ثانيا يمنطق أفكاره ويعرضها على نحو معقلن و مبرهن عليه؛ ولذلك فهو يعتمد على عدة أساليب حجاجية للدفاع عن أفكاره وجعلها معقولة ومتناسبة مع قواعد التفكير السليم. ولقد حاول الفلاسفة بشتى أساليبهم الفكرية أن يرسموا صورة عقلية عن الحياة، وعن القضايا التي يتخبط الإنسان فيها. وهنا نجد الفيلسوف جون لاكروا يشير إلى أن الفلسفة لا تعدو أن تكون ترجمة عقلية لتجارب معيشية. كما نبه مارتن هيدجر إلى أن الفلسفة شأن من شؤون العقل، إذ حتى العواطف النبيلة لا مكان لها في  الاستدلال الفلسفي.
ونحن نجد أن الفيلسوف يسعى إلى الكشف عن حقيقة الأشياء، لأن الفلسفة هي محبة الحكمة؛ فهي بحث عن الحقيقة التي تعتبر ضالة الفيلسوف والهدف الذي ينشده. وهذا يبين نزاهة الفكر الفلسفي وتجرده عن كل أنانية وتمركز حول الذات؛ فقضايا الفيلسوف هي قضايا كونية، وهدفه هو خدمة الناس جميعا.
ومن يحب الفلسفة فهو بلا شك يحب الحياة، لأن الفلسفة بناء وعطاء وليست هدما وفناءا. فالفيلسوف وإن استخدم معاوله للهدم، فإنما يفعل ذلك تجاه من يراه باطلا أو خاطئا، ليقوم بعد ذلك بعملية البناء المتمثلة في إعطاء بدائل تخدم الحياة، وتزرع فيها كل ما هو حق وخير وجميل.
وإذا كان الفيلسوف يحب الحياة، فإنه يحب الحياة التي يراها من خلال تفكيره العقلي، وليست الحياة التي قد يعاينها بحواسه. ولذلك قال أحد الفلاسفة: «إننا لا نرى العالم بحواسنا بل نراه بمفاهيمنا».
وصحيح أننا لا يمكن أن نعرف كل الأشياء. وقد قال سقراط قديما: «كل ما أعرف هو أنني لا أعرفا شيئا». وهذا يعبر عن الوعي الفلسفي الحقيقي المتمثل في كون الفيلسوف الحق هو الذي له وعي صحيح بالأشياء التي يجهلها، وهو يستخدم طاقته الفكرية من أجل تجاوز هذا الجهل. لكن يبدو أن رحلته في البحث عن الحقيقة لا تنتهي، لأنه لا يمكن أن نعرف كل شيء أبدا.
ورحلة بحث الفيلسوف هاته تتطلب منه الزاد والعدة العقلية، كما تحتاج منه إرادة وعزيمة، أما إذا كان ضعيفا فإن أول مشكل يواجهه سيجعله يتراجع إلى الخلف. فالقوة والجرأة والإصرار وطول النفس والثقة في النفس ودماثة الخلق وعشق الحقيقة.. هي لعمري من أهم سمات الفيلسوف الأصيل.
وإذا كان الاختلاف هو سمة تميز التفكير الفلسفي، فإنه اختلاف تكامل وإغناء، وليس اختلاف تناحر وإقصاء؛ ذلك أن تعدد المقاربات الفلسفية لنفس المسألة هو إقرار بنسبية الفكر، ووعي بحدود الفهم، ورغبة جامحة في تقليب الأمور على أوجهها المتعددة من أجل استكشاف خباياها واستنطاق مجاهلها، خصوصا أن المسائل الفلسفية عويصة، وادعاء استنفاذ البحث فيها هو محض افتراء.
وهذا ما يجعل حقل الثقافة الفلسفية حقلا للمساءلة والنقد والدهشة وخلخلة البديهيات، والكشف عن الأوهام التي تتأسس عليها الكثير من القطعيات واليقينيات عبر التاريخ. ولذلك، كان الفيلسوف يتخذ دائما موقفا نقديا من أفكار الماضي، وكانت تحذوه الرغبة دائما لإضافة لبنات جديدة إلى ما شيده الآخرون، لكن ذلك كان يتم انطلاقا من هندسة جديدة تنم عن إبداع فكري ذاتي وأصيل. ولهذا السبب لا تجد فيلسوفا يقلد آخرا أو ينسج على منواله، فقد يكون المبتغى واحدا، متمثلا في إدراك الحقيقة، إلا أن سبل الوصول إليه وعرة وغير متماثلة. والفيلسوف يعبر دائما عن تواضعه في اقتراح خرائط طريق لبلوغ الحقيقة، لأنه يدرك بوعيه الفلسفي أن اقتراحه ذلك هو ممكن من بين ممكنات متعددة.
وإذا عدنا للبداية الأولى مع طاليس، أمكننا الإشارة إلى أن مفترق الطرق تميز مع هذا الفيلسوف الملطي، وتلامذته من الأيونيين، في اقتراح تفسير جديد للكون والظواهر يرتكز على العقل وليس على الخيال، كما يرتكز على حدس فلسفي يتمثل في القول بأن الكل واحد؛ وهذه الفكرة الأخيرة لم تكن نتاج تفكير خيالي، كما أنها لم تكن ناتجة عن تجريب علمي، وإنما كانت متولدة عن حدس فلسفي خالص جعل طاليس، حسب الفيلسوف نيتشه، أول الفلاسفة. ولذلك فصدور مثل هذه الحدوس العقلية في تفسير مظاهر الوجود والحياة، هو ما ميز الممارسة الفلسفية منذ اليونان إلى الآن؛ فلكل فيلسوف حدسه الأساسي الذي تنبني عليه كل أفكاره، وتتمحور حوله كل نظرياته المختلفة. وحينما نقول بمفهوم الحدس لتفسير الممارسة الفلسفية، فإننا لا نعني أن الفكرة ترد على الفيلسوف فجأة وبنوع من الإلهام الصوفي، بل إن الحدس الفلسفي المقصود هنا هو محصلة جهود متوالية للفيلسوف من جهة، كما أنه حدس مؤسس له ومبرهن عليه عقليا وحجاجيا.
 وفي هذا السياق، يمكن أن نعتبر بأن القول بوحدة الوجود وثباته حدسا بارمنيديا، والقول بالصيرورة والثبات حدسا هيراقليطيا، والقول بالمثل حدسا أفلاطونيا، والقول بالكوجيطو حدسا ديكارتيا، والقول بإرادة القوة حدسا نيتشويا، والقول بالروح المطلق حدسا هيجيلياوهكذا دواليك. وكل هذه الحدوس الفلسفية وغيرها هي حدوس تمت المحاججة والبرهنة عليها داخل نسق الفيلسوف أو فكره، كما أنها نتاج إبداع لقريحته الفلسفية. والقارئ الذي يدرك بدقة حدس فيلسوف ما، ويفهم جيدا الأسس التي انبنى عليها هذا الحدس، يتمكن ولا شك من فهم باقي أفكاره ونظرياته المتعلقة بمسائل شتى خاض ذلك الفيلسوف غمار البحث والتنقيب فيها.
ويحاول هذا الكتاب أخذ القارئ معه في سفر فلسفي، نتمناه أن يكون مفيدا وممتعا، من أجل اكتشاف مجموعة من القضايا والإشكالات الفلسفية المتنوعة، والتي تنتمي إلى مجالات متعددة؛ ميتافيزيقية ومعرفية وقيمية وجمالية، ومن أجل الوقوف عند حلول ومقاربات مقترحة لها من طرف هذا الفيلسوف أو ذاك، وذلك طبقا للأسس المعرفية أو المذهبية أو الحدسية التي تصدر عنها رؤاه وتصوراته.
وقد اشتمل الكتاب على فصلين وملحق؛ فتضمن الفصل الأول تأملاتنا حول قضايا فكرية وفلسفية متعددة، كما احتوى على مقالات متنوعة عالجنا خلالها الكثير من الإشكالات التي خاض في مناقشتها فلاسفة ينتمون إلى عصور فلسفية قديمة وحديثة ومعاصرة؛ ابتداء من أفلاطون وأرسطو، ومرورا بديكارت واسبينوا وكانط، وانتهاء بهيجل ونيتشه وجون راولز.
أما الفصل الثاني، فقد احتوى على قراءاتنا لمؤلفات فلسفية بدا لنا أنها تحتوي على أفكار ومسائل وقضايا غاية في الأهمية، بالنسبة لأي تكوين فلسفي عميق ورصين، خصوصا حينما يتعلق الأمر بفلسفة لايبنتز، أو بالتأملات الميتافيزيقية لديكارت، أو بنظرية المعرفة عند كل من دفيد هيوم وكانط، أو بتصور هيجل لتاريخ الفلسفة.
وفي ما يخص الملحق، فقد أثثناه بمجموعة من النصوص الفلسفية التي لها ارتباط مباشر ببعض القضايا التي تضمنتها سواء مقالات الفصل الأول أو قراءات الفصل الثاني، وذلك من أجل أن نجعل القارئ يطلع عليها في مصادرها الأصلية، وتكون له حافزا من أجل توسيع مداركه فيها بالرجوع إلى الكتب التي اقتطفناها منها.
والله أسأل أن يكون هذا العمل مفيدا، وخالصا لوجهه الكريم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.