الجمعة، 28 سبتمبر 2018

الوعي

الوعي


    يعتبر الوعي خاصية جوهرية تميز الإنسان عن باقي الأشياء والكائنات الأخرى. فالوعي يصاحب كل أفعال الإنسان وأفكاره، وهذا ما يسمى بالوعي التلقائي. كما يرتبط الوعي بالشعور وبمجموع الأحاسيس التي تجري داخل الذات، وهذا ما يسمى بالوعي السيكولوجي. كما أن الوعي يتمظهر على مستوى الحياة العملية، فنتحدث عن وعي أخلاقي أو وعي سياسي مثلا. فللوعي عدة أشكال ومظاهر، غير أن الدراسات الفلسفية والنفسية وضعت الوعي موضع استشكال ونقد، واعتبرته غطاءا خارجيا لا يمثل سوى سطح الذات أو الجهاز النفسي، بينما يمثل اللاوعي الجزء العميق من الذات.
 فما هو الوعي؟ وما دور الحواس في تشكله؟ وما علاقته باللاوعي؟ ومن منهما يتحكم أكثر في أفعال الإنسان وأفكاره؟ وهل يقدم لنا الوعي صورة حقيقية عن أنفسنا وعن الواقع؟ 
1-   الوعي والإدراك الحسي:
لقد ذهب أب الفلسفة الحديثة روني ديكارت إلى أن الوعي حقيقة بديهية تدرك عن طريق الحدس العقلي، بحيث لا يرقى إليه الشك أبدا. كما اعتبره  خاصية أساسية وثابتة تميز الأنا كجوهر مفكر. فأنا أشك – يقول ديكارت-، وما دام الشك نوعا من التفكير، فأنا أفكر. وإذا كنت أفكر، فأنا موجود. ومن هنا صاغ ديكارت ما أصبح يعرف بالكوجيطو الديكارتي: أنا أفكر، فأنا موجود.                       
 وقد تساءل ديكارت: «أي شيء أنا إذن؟»(1) وأجاب: «أنا شيء مفكر.»(2) ثم أعقب ذلك بالتساؤل: «وما الشيء المفكر؟»(3)، وأجاب: «إنه شيء يشك، ويفهم ويتصور، ويثبت وينفي، ويريد ويتخيل، ويحس أيضا.»(4) فللأنا المفكر خصائص مثل الشك والتصور والتخيل والإحساس، وهذه الخصائص لا تنفصل عنه. كما يتميز الأنا المفكر بالوحدة والثبات؛ فبالرغم من أنه تصدر عنه عدة أفعال، فإنه يظل هو هو وفي تطابق مع نفسه.
   وإذا كان الأنا يفكر فهو موجود. وهذا الوجود هو وجود يقيني لا يرقى إليه الشك. فأنا موجود حتى في حالة النوم، وحتى في افتراض أن هناك قوة عليا تحاول أن تخدعني أو تضللني. ولذلك نجد ديكارت يتساءل مؤكدا: «فهل هنالك من ذلك كله شيء لا يعادل في صحته اليقين بأني موجود، حتى لو كنت نائما دائما وكان من منحني الوجود يبذل كل ما في وسعه من مهارة لإضلالي؟»(5) وما جعل ديكارت متأكدا من أنه موجود هو كونه يفكر، وهذا التفكير يتم داخل الذات ويعطيها إحساسا بوعيها وبوجودها، وهو وعي ووجود لا يتوقف على وجود الجسم أو الأشياء أو الأغيار، بل يستند فقط إلى الفكر العقلي الخالص الذي يجري داخل الذات المفكرة.
وبخلاف ذلك، نفى الفيلسوف التجريبي دفيد هيوم أن تكون هناك "ذات" أو "أنا" أو "نفس" قائمة بذاتها هي المسؤولة عن عمليات التفكير والوعي المختلفة، لأنني «عندما أتوغل في أعماق ما أسميه (أنا) أصطدم دائما بهذا الإدراك الخاص أو ذاك، بالحرارة أو بالبرودة، بالنور أو الظلام، بالحب أو الكراهية، بالألم أو اللذة.»(6) ولهذا فما يسمى بالأنا المفكر لا يعدو أن يكون جملة من الإدراكات الحسية، سواء الظاهرة أو الباطنة، والتي تتوالى في الزمن بحيث تعطينا إحساسا وهميا بأنه توجد لديا نفس قابعة في أعماقنا ومستقلة بذاتها‼ ذلك أنه لا يمكن للأنا حسب الفيلسوف التجريبي دفيد هيوم أن يعي ذاته  ويشعر بها من دون عملية إدراكية حسية. وبزوال الإدراك الحسي يزول الوعي بالذات، ولا يعود الأنا موجودا. فلا يمكن أن يحصل الوعي بالذات إلا من خلال الإدراك الحسي. بحيث يعتبر هذا الأخير شرطا أساسيا لوعي الأنا بذاته، وحيث أن الإدراك الحسي يزول بزوال الموت، فإنه يزول معه الوعي، فلا يعود الأنا موجودا، أي يغدو عدما خالصا. ولهذا نجد هيوم يقول: «فلو كانت جميع إدراكاتي قد زالت بالموت، وكنت لا أستطيع أن أفكر، ولا أن أحس، ولا أن أرى، ولا أن أحب، ولا أن أكره بعد تحلل جسمي، فإنني أكون قد غبت تماما، وأني لا أتصور شيئا أكثر من هذا ليجعل مني عدما بحتا.»(7)
ومهما يكن من اختلاف بين أنصار النزعة العقلانية وأنصار النزعة التجريبية، فإنهما يتفقان معا على أن الوعي خاصية أساسية تميز الإنسان ككائن عاقل. وقد رأى الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط أن الإنسان يتميز عن الحيوانات والأشياء بقدرته على تصور ذاته ووعيه بها، وهو ما يجعله شخصا حرا، مسؤولا وذا كرامة لا تقدر بثمن. ويرتبط الوعي بالذات لدى الإنسان بالنطق بلفظ أنا، أو على الأقل امتلاك تصور عنها.
فلا يمكن الوعي بالذات إلا من خلال النطق بلفظ أنا، أو على الأقل امتلاك مدلول عنها؛ فحينما يبدأ الطفل بالنطق بلفظ أنا، فإنه ينتقل من الإحساس الحسي المباشر بذاته ليرتقي إلى مستوى التفكير فيها والوعي بها. فعندما يبدأ الطفل بتعلم الكلام، فإنه لا يتحدث بصيغة المتكلم إلا بعد مدة معينة من الزمن، وفي هذه الفترة الأولى لا يكون لديه وعي قوي ومستقل بذاته، أما «عندما يبدأ في النطق بكلمة "أنا"، فإن نورا جديدا يغمره؛ منذ تلك اللحظة فإنه لن يرجع إلى الصيغة الأولى لتعبيره عن نفسه. من قبل كان الطفل يحس بذاته إحساسا حدسيا حسيا مباشرا، والآن هو يدرك نفسه كذات تعي وتفكر.»(8) وهذا الوعي بالذات هو الذي يمنحها هويتها، أي يكسبها وحدتها وتميزها عن باقي الأشياء والكائنات. كما يمنح  الوعي للإنسان قيمة وكرامة لا تقدر بثمن.
 وقد قارن كانط بين الإنسان من جهة، والحيوانات والأشياء من جهة أخرى. وذلك من أجل إثبات أن الإنسان يتميز عنها بالخصائص الرئيسية التالية: العقل، الوعي، الحرية، المسؤولية والكرامة.
 كما قدم لنا ثلاثة أمثلة؛ يتعلق أولهما بذلك الإنسان غير القادر على النطق بالأنا، مثل الأبكم مثلا، نظرا لوجود مشكل في أعضاء النطق. وقد أراد أن يبين أنه بالرغم من ذلك، فإنه تظل لهذا الإنسان القدرة على امتلاك تصور لأناه، مما يؤهله لكي يكون كائنا واعيا. ويتعلق ثانيهما بمثال اللغات التي قد لا تتوفر على صيغة تعبيرية عن ضمير المتكلم أنا، لكنها مع ذلك تكون مضطرة إلى أن تتوفر على مدلول أو تصور أو فكرة عنه. أما المثال الثالث، فيتمثل في ذلك الطفل الذي لا يكون في بداية تعلمه للغة قادرا على الإشارة إلى نفسه بلفظ أنا، وحينما يبدأ بالنطق به فإنه ينتقل من مستوى الإحساس الحسي الغريزي إلى مستوى التفكير والوعي بالذات.
وإذا كانت المقاربات الفلسفية لظاهرة الوعي لدى الإنسان قد فسرته إما بربطه بالحواس والإدراكات الحسية، وبالتالي بالعالم الخارجي الذي تتلقى منه الحواس المعلومات والمعطيات الحسية، أو ربطته بالعقل وبالتأملات الفكرية التي تحدث داخل الذات أو الأنا، فإن دراسة الوعي والبحث فيها لم يظل حكرا على التأمل الفلسفي، بل أصبح يخضع للدراسات العلمية الدقيقة.
وفي هذا السياق، رفض العالم البيولوجي المعاصر جان بيير شونجو أن يكون الوعي موضوعا للدراسات اللاهوتية والأدبية، بل يجب تفسيره وإخضاعه للتجارب العلمية الدقيقة. و يري أن كل نشاط عقلي هوعبارة عن نشاط عصبي؛ فالحواس تتعرض إلي منبهات خارجية وتقوم بإرسالها إلى الجهاز العصبي الذي تقوم خلاياه، وبكيفية معقدة، بإحداث نشاط عقلي هو الذي يعبر عنه بما يسمى بالوعي. وهكذا يذهب شونجو إلى أن «كل نشاط عقلي، -كيفما كان، سواء كان تفكيرا، أو اتخاذا لقرار، أو انفعالا، أو شعورا أو وعيا بالذات- عبارة عن نشاط عصبي مشروط فيزيولوجيا، بحيث تكون خلايا عصبية محددة، هي التي تستجيب، أولا، لمنبهات خارجية. وقد أذهب أبعد من هذا، فأقول: ليس النشاط العقلي سوى النشاط العصبي.»(9)
وهكذا قدم لنا شونجو تفسيرا ماديا فزيولوجيا لمسألة الوعي، والذي يلعب الإدراك الحسي دورا كبيرا في إنتاجه. فالوعي هو نشاط عقلي مرتبط بخلايا الجهاز العصبي للدماغ ولا يمكن تصوره بدونه. كما أن النشاط العقلي هو نشاط  عصبي مشروط فيزيولوجيا؛ أي أنه مرتبط بوظائف خلايا الجهاز العصبي.
وقد اعتبر جون بيير شونجو أن العديد من الدراسات العلمية والتجارب النفسية والفيزيائية تؤكد الطابع المادي الذي تتميز به صور التفكير العقلي، مما يؤشر على ارتباط التفكير والوعي بالأنشطة الفيزيولوجية المعقدة لخلايا الدماغ، والتي ولا شك يرتبط عملها بالمعطيات الخارجية التي تمدها بها الحواس. ومن هنا، انتهى شونجو إلى تسطير فرضية أساسية عبر عنها كما يلي: «إن الصور العقلية هي موضوعات مادية محددة بفضل «خريطة» دينامية للخلايا العصبية وللسيالات العصبية التي تغذيها وتسري داخلها.»(10)
وإذا كان العديد من الفلاسفة والعلماء يؤكدون على ارتباط الوعي بعمل الحواس الخمس، فإن هذه الأخيرة بدورها ترتبط بالوسط الخارجي الذي يمدها بالمواد والعناصر التي تساهم في تشكيل وبلورة محتوى الفكر والوعي، ولذلك نجد ، مثلا، الفيلسوف الإنجليزي برتراند راسل (1872-1970) يربط الوعي بالعالم الخارجي، حيث اعتبر أن الوعي هو مجموع ردود أفعال الإنسان تجاه مثيرات الوسط الخارجي، ومعرفته بهذه الردود في نفس الوقت. لكن مع ذلك يعترف راسل بالغموض الذي يتخلل لفظ الوعي وصعوبة تحديده بدقة، حيث نجده يقول: «إنني لا أزعم، مما سبق عرضه، أنه تحليل كامل لما ندعوه بكلمة غامضة، هي "الوعي". إنها مشكلة شاسعة وتتطلب منا توضيحات وكتابات كثيرة. أردت فقط أن أشير، إلى أن ما يظهر لأول وهلة كمفهوم واضح في متناولنا، هو في الواقع عكس ذلك تماما.»(11)
 وإذا كان الوعي عند راسل هو عبارة عن ردود أفعال الإنسان تجاه الوسط الذي يعيش فيه، فإنه يشير عنده أيضا إلى نوعية الأفكار والعواطف التي نكونها عن أشياء العالم الخارجي. ويلعب الإدراك الحسي دورا أساسيا في تشكيل هذا الوعي، باعتبار أن الإدراك الحسي هو تكوين معرفة بأشياء العالم الخارجي عن طريق عملية التلقي التي تتم بواسطة الحواس من جهة، وعملية التأويل التي يقوم بها العقل من جهة أخرى. كما يتمظهر الوعي من ناحية أخرى من خلال عملية الاستبطان، الذي هو نوع من التأمل الباطني في  الذات من أجل إدراك ما تحمله من ذكريات وأفكار ومشاعر وخبرات سيكولوجية مختلفة.
2-   الوعي واللاوعي:
الوعي خاصية تميز الكائن البشري عن غيره من الحيوانات وأشياء الطبيعة. ويمكن القول باختصار بأن الوعي هو مجموع التمثلات والأفكار التي يحملها الإنسان حول ذاته وحول العالم المحيط به. وكما يرى هيجل فإن الإنسان كائن مزدوج الوجود؛ فهو يوجد وجودا طبيعيا من جهة، شأنه شأن باقي الحيوانات وأشياء الطبيعة، ووجودا من أجل ذاته، وهو الوجود الواعي الذي يمكن الإنسان من تأمل ذاته والتساؤل حول العالم المحيط به. وهذا التأمل في الذات والتفكير فيها وفي العالم هو ما يسميه هيجل "بالوجود من أجل الذات، وهو  وجود يجعل الإنسان يرتقي من مستوى الوجود الحسي والغريزي إلى مستوى الوجود العقلي والفكري الواعي. وهكذا، ف «أشياء الطبيعة لا توجد إلا وجودا مباشرا وبكيفية واحدة، أما الإنسان فإن له، إذ هو روح، وجودا مزدوجا: فهو يوجد من جهة مثل أشياء الطبيعة، ولكنه من جهة أخرى يوجد من أجل ذاته، يتأمل ذاته ويتمثلها ويفكر في ذاته. إنه لا يكون روحا إلا بهذا النشاط الذي يشكل وجودا لذاته.»(12)
ويتخذ الوعي لدى الإنسان صورتين رئيسيتين؛ صورة نظرية تتمثل في الإبداعات العقلية التأملية النظرية، وصورة عملية تتمثل في أشكال التغيير التي يرسمها الإنسان في العالم وفي ذاته عن طريق ما يقوم به من أنشطة عملية.
ونميز عموما بين عدة أنواع من الوعي؛ كالوعي الأخلاقي، والوعي السيكولوجي، والوعي المعرفي، والوعي السياسي… فالأول يدل على مجموع المبادئ والقيم الأخلاقية التي يؤمن بها الإنسان ويحملها في ذاته ويتخذها موجها له في سلوكاته تجاه الآخرين، بينما يدل الثاني على مجموع الخبرات السيكولوجية التي يحملها الإنسان في جهازه النفسي والتي تنمو وتتطور مع الزمن، أما الثالث فيشير إلى أفكار وقواعد تتعلق بهذا الحقل الفكري أو ذاك….
أما فيما يخص مفهوم اللاوعي فهو يدل على جملة الدوافع الغريزية والميولات المختزنة في أعماق الجهاز النفسي، والتي تتمظهر حسب فرويد في الأحلام والنكت وفلتات اللسان وزلات القلم والإبداعات الأدبية والفنية
ويعتبر سيغموند فرويد، مؤسس التحليل النفسي ومبتكر نظرية اللاشعور، أن اللاوعي هو المنطقة النفسية الأكثر عمقا والتي تحتل المساحة الأكبر في الجهاز النفسي، وهي تمثل حقيقة الإنسان أكثر مما يمثلها الوعي. ولذلك، ف «من الواجب أن نفترض أن اللاشعور هو الأساس العام للحياة النفسية. فاللاشعور هو أوسع منطقة تضم بين جوانبها منطقة الشعور التي هي أضيق نطاقا... فاللاشعور هو الواقع النفسي الحقيقي، وهو في طبيعته الباطنة مجهول عندنا، نجهله قدر جهلنا بحقيقة العالم الخارجي، كما أنه لا يمثل لنا بواسطة معطيات الشعور إلا مثولا ناقصا على نحو ما يمثل العالم الخارجي بواسطة رسائل أعضائنا الحسية.»(13)
ويمارس الوعي نوعا من الرقابة على الدوافع والنزوعات الصادرة عن اللاوعي؛ فيقوم بكبتها أو الإعلاء من شأنها أو إخراجها في صور مفنعة لا تجعل الفرد يصطدم بالعالم الخارجي.
وعلى العموم فالعلاقة بين الوعي واللاوعي، بين العقل واللاعقل هي علاقة معقدة ومتشابكة.
وإذا كانت الفلسفة الكلاسيكية قد اعتبرت الإنسان وعيا بالدرجة الأولى، فإنها قد أغفلت الجوانب اللاواعية في الإنسان، وهو ما سيتم الانتباه إليه في الفلسفة والعلوم الإنسانية المعاصرة. وفي هذا السياق، عمل المحلل النفسي والفيلسوف سيغموند فرويد على الدفاع عن فرضية اللاشعور كفرضية ضرورية ومشروعة. وهكذا اعتبر فرويد أن هناك الكثير من أفعال الإنسان وأفكاره لا يمكن تفسيرها انطلاقا من الوعي، بل هي صادرة عن دوافع لاواعية. وهذا ما يجعل فرضية اللاوعي ضرورية ومشروعة، خصوصا وأن الممارسة الطبية النفسية أثبتت نجاحها ومشروعيتها. ويدل اللاوعي على ذلك الجانب العميق والخفي في الجهاز النفسي، والذي يحتوي على دوافع ورغبات غريزية ومكبوتة. وتجد تلك الدوافع اللاواعية تجليات لها في عدة مظاهر، من بينها فلتات اللسان وزلات القلم والهفوات والأحلام والإبداعات الأدبية والفنية ...   كأشكال تعبيرية  تتيح لتلك الدوافع والرغبات العميقة أن تطفو إلى السطح وتعبر عن نفسها بكل حرية.
وقد قدم فرويد مجموعة من الحجج لإثبات مشروعية فرضية اللاوعي؛ منها أن معطيات الوعي ناقصة ولا يمكنها تفسير وفهم الكثير من الأفعال النفسية كالهفوات والأحلام مثلا، «فغالبا ما تحدث لدى الإنسان – السليم والمريض على حد سواء – أفعال نفسية يفترض تفسيرها أفعالا أخرى لا يشهد لها الوعي بالوجود.»(14) كما تثبت التجربة اليومية أن هناك العديد من الأفكار التي تخطر على ذهن الإنسان دون أن يكون مصدرها هو الوعي، فإذن لا يمكن أن تكون صادرة إلا عن دوافع لاواعية. «وإذا ما ظهر لنا إضافة إلى ذلك أن بوسعنا أن نؤسس على فرضية اللاشعور ممارسة يحالفهاالنجاح، ونؤثر بواسطتها –وفقا لهدف معين- في مجرى العمليات الواعية؛ فإننا آنئذ سوف نكتسب، بهذا النجاح، حجة دامغة على وجود ما افترضناه.»(15) ومن هنا، فإن فرضية اللاوعي هي فرضية مشروعة لأن التجربة العلمية أكدت نجاحها على مستوى علاج الكثير من الأمراض النفسية.  
ونحن نجد أن فرويد يمنح الأسبقية للاشعور في تفسير الأنشطة الصادرة عن الجهاز النفسي؛ فالجزء الأكبر في هذا الجهاز تحتله الدوافع اللاشعورية التي تقف وراء معظم أفعال الإنسان وإبداعاته الفكرية والفنية.
ويتكون الجهاز النفسي حسب فرويد من الهو والأنا والأنا الأعلى. فالهو هو أصل الجهاز النفسي، ويمثل الرغبات الغريزية التي تهدف إلى تحقيق اللّذة الحسية. كما أنه لاعقلي، لاشعوري، لامنطقي، لازماني ولامكاني، أي لا يقيم اعتبارا لا لمبادئ العقل والمنطق والأخلاق، ولا لمقتضيات الزمان والمكان والواقع، أثناء تحقيقه لرغباته الغريزية. أما الأنا فينشأ عن اصطدام رغبات الهو بالواقع، ويمثل منطقة الصراع في الجهاز النفسي حيث يقوم بوظيفة أساسية، هي التوفيق بين الرغبات اللامعقولة للهو والأوامر المثالية للأنا الأعلى. وإذا كان الأنا يتحكم فيه مبدأ الواقع، فإن الأنا الأعلى  يمثل مبدأ المثال؛ إذ تتحكم فيه مجموعة من القيم الأخلاقية العليا (الضمير الأخلاقي)، وهو ينشأ عن تقمص الطفل للأوامر العليا لوالديه أو لمن يعتبرهم  قدوة بالنسبة إليه.
وإذا كان الوعي هو معرفة مباشرة بالحالات النفسية، ومجاله هو مجموع العواطف والأفكار والصور التي تؤسس الحياة العقلية لكل فرد، فإن اللاوعي هو جانب عميق في الحياة النفسية يتكون من الميولات والرغبات المكبوتة، والتي تعبر عن نفسها في النكت وزلات القلم وفلتات اللسان والأحلام ... ذلك أن الحلم هو تعبير رمزي عن رغبات لاشعورية يصعب تحقيقها في الواقع نظرا لرقابة الأنا والأنا الأعلى، فيحتال عليهما الهو ليلا أو نهارا لكي يحقق رغباته في غفلة منهما!! وتفصح الرغبات اللاشعورية عن نفسها أثناء الحلم بكيفية مقنعة ومرموزة. ولذلك اعتبر فرويد بأن "الأحلام هي الطريق الملكي إلى اللاشعور"!! كما ذهب إلى أن الفوضى الظاهرة في الحلم ليست إلا شيئا ظاهريا لا يلبث أن يختفي حينما نمعن النظر في الحلم، فليست «اللامعقولية [التي تبدو في الحلم] إلا شيئا ظاهرا، لا تلبث أن تختفي حين نقرب النظر إلى الحلم.»(16)
وإذا كان فرويد قد أكد على دور اللاوعي في توجيه سلوكات الإنسان، فإننا نجد بعض الفلاسفة ينتقدون فكرة اللاوعي هذه ويحاولون من جديد إعادة الاعتبار لدور الوعي في صدور مختلف الأفعال والمواقف عن الإنسان ككائن مفكر وعاقل وواع. وفي هذا السياق، يمكن أن نشير إلى الفيلسوف الفرنسي المعاصر ألان (إميل شارتيي) الذي يرفض فكرة فرويد القائلة بأن اللاشعور هو الذي يتحكم في الذات، ويقول على العكس من ذلك بأن أفكارنا وسلوكاتنا هي نتائج للوعي؛ أي لللذات الإنسانية الفاعلة والمتكلمة.
وهكذا نجد ألان يعتمد في كتاباته على أسلوب سجالي، يحاول من خلاله أن ينتقد مفهوم اللاشعور كما قدمه علم النفس الفرويدي. فلفظ اللاشعور في نظره هو من نسج خيال فرويد، إنه شخصية أسطورية، كما أنه من الصعب تحديده وفهمه على نحو دقيق. فكل وعي أو شعور هو عقلي ومفكر فيه من قبل العقل الواعي.
وقد اعتبر ألان أن علامات الأحلام عادية ويمكن تفسيرها انطلاقا من نظام رمزي وسهل، وهذا بخلاف فرويد الذي يذهب إلى أن الأحلام  ذات رمزية ملتوية ومعقدة. ويرفض ألان أن يكون اللاشعور أنا آخر، لأن كل أفكارنا وسلوكاتنا هي  نتاج لإرادة صادرة عن الذات الواعية والفاعلة والمتحكمة. ولذلك «لا بد من تجنب الكثير من الأخطاء التي قامت على أساس لفظ اللاشعور. ومن أخطر هذه الأخطاء الاعتقاد أن اللاشعور هو أنا آخر، أي أن له أحكام مسبقة، وأهواؤه وحيله، ملاك شرير أو ناصح شيطاني. إن ما ينبغي فهمه –كرد على ذلك- هو أنه لا توجد فينا أفكار سوى ما تمنحنا إياه الذات الفاعلة، أي الشخص المتكلم.»(17)
وإذا تم اعتبار الإنسان في الفلسفة الكلاسيكية وعيا،  وتم اعتبار أن وعيه هذا هو السمة الأساسية المميزة له عن باقي الكائنات، بحيث تم النظر إلى الوعي باعتباره المصدر أو الأساس الذي تنبني عليه كل الحقائق، وتفسر من خلاله كل السلوكات البشرية، فإن أبحاث فرويد في مجال علم النفس أدت إلى اكتشاف اللاوعي أو اللاشعور، بحيث ثم اعتباره أساس الحياة النفسية وأنه يحتل الحيز الأكبر في الجهاز النفسي، وما الوعي سوى الجزء الضئيل الذي يتواجد على سطح هذا الجهاز. واعتبر فرويد أن معظم سلوكات الإنسان، وأشكال وعيه  بذاته وبالعالم، صادرة عن دوافع لاشعورية تجد تجلياتها في الأحلام والنكت وفلتات اللسان، وفي الإبداعات الفنية والأمراض النفسية والأساطير.
 وإذا كان فرويد قد ركز كثيرا على الوعي في جانبه الفردي، فإننا نجد غوستاف لوبون يحدثنا عن لاوعي جماعي يهيمن على الحياة النفسية أكثر من الوعي.  وهكذا اعتبر غوستاف لوبون (1841-1931) أن «أفعالنا الشعورية تنبثق من بنية لاشعورية مكونة بالأساس من تأثيرات وراثية، وهذه البنية تشتمل على عدد لا حصر له من بقايا الماضي العتيق الذي يشكل روح العرق.»(18) وهو الأمر الذي يجعل اللاوعي أو اللاشعور يتخذ طابعا جماعيا من خلال ارتباطه بروح العرق؛ أي بماضي الجماعة الثقافي والفكري الذي يتوارث جيل عن جيل ويتحكم في الأفراد بشكل لاواعي، ويتمظهر في سلوكاتهم وطقوسهم الإجتماعية.
 وروح العرق هو مجموعة من العناصر الثقافية والسيكولوجية التي تميز سلاسة أو عرق معين، وتتوارث جيل عن جيل، وهو يرتبط ارتباطا وثيقا باللاشعور مادام أن هذا الأخير يتكون من عناصر وراثية تشكل روح العرق التي تتميز بها جماعة ما. فأفعال الإنسان حسب غوستاف لوبون صادرة عن دوافع لاشعورية تتكون من عناصر وراثية تعود إلى ماضي السلاسة والعرق، وهي عناصر وراثية ثقافية تترسخ لدى الأفراد مع مرور الزمن من خلال التربية والتنشئة الاجتماعية. فالعناصر اللاشعورية تتشابه بين كل أفراد العرق الواحد، كالغرائز والانفعالات والمعتقدات المستبطنة ... إذ بالرغم من وجود تفاوت في المستوى الفكري والثقافي بين عالم مشهور وصانع أحذية مثلا، فإنهما يتشابهان في الصفات العامة التي يشترك فيها أفراد العرق الواحد كالمزاج والأحاسيس والاعتقادات؛ «ففي الروح الجماعية تنتفي الاستعدادات العقلية للأفراد كما تنتفي فردانيتهم، ويذوب التضافر في الانسجام، وتسود خصائص اللاشعور وتسيطر.»(19)
3-   الوعي والإيديولوجيا:
إذا كان الإنسان يعبر من خلال الوعي عن ذاته وعن العالم المحيط به، فهل بإمكان الوعي أن يمنحنا صورة حقيقية عن ذواتنا وواقعنا؟ ألا تتدخل الإيديولوجيا والوهم في تزييف الوعي وقلب صورة الواقع؟ وهل كل ما يقدمه لنا العقل حقيقي؟ ألا يمكن أن تحيط به مجموعة من الأوهام؟ وما هي أهمها؟
يمكن في هذا الإطار أن نقدم موقف فرنسيس بيكون، الذي يرى أن العقل لا يقدم لنا دائما صورة حقيقية عن الواقع وعن أنفسنا، فهو غالبا ما يكون محاطا بكثير من الأوهام، اختصرها بيكون في أربعة أنواع؛ «هي أوهام القبيلة، وأوهام الكهف، وأوهام السوق وأوهام المسرح.
1- الأوهام العامة المشتركة بين الناس أو أوهام القبيلة، هي أوهام مباطنة للطبيعة البشرية ولقبيلة بني الإنسان أو لجنسه...  
2- الأوهام الذاتية أو أوهام الكهف، وهي الأوهام الخاصة بكل فرد. إذ أن لكل فرد كهفه الخاص ...
3- أوهام الجماعة تنشأ عن العلاقة مع الناس وعن تواصلهم فيما بينهم. وتسمى أوهام السوق لأنها تتعلق بالتجارة وتجمع الناس مع بعضهم وتواصلهم باللغة...
4- الأوهام المذهبية أو أوهام المسرح هي أوهام تسللت إلى عقول الناس من المعتقدات المختلفة للمذاهب الفلسفية الخاصة، ومن قواعد الاستدلال التي يساء استعمالها...»(20)
وهكذا فالأوهام الأولى هي أوهام القبيلة التي هي أوهام عامة ومشتركة بين جميع الناس، لأنها ملازمة للطبيعة البشرية ومتأصلة فيها، والثانية هي أوهام الكهف التي هي أوهام ذاتية وخاصة بكل فرد، لأنها ناتجة عن تجارب الفرد وقراءاته وارتباطه بشخصيات نموذجية، والثالثة هي أوهام السوق التي تنشأ عن العلاقات التجارية بين الناس، وتنتج عن تجمع الناس وتواصلهم بواسطة اللغة كمنشإ للأوهام، أما النوع الرابع فيتمثل في أوهام المسرح التي ترتبط بالمعتقدات والمذاهب الفلسفية، كما تنتج عن قواعد الاستدلال التي يساء استعمالها.
وقد شبه فرنسيس بيكون الأوهام العامة بأوهام القبيلة لأنها تتعلق بالجنس البشري ككل، وشبه الأوهام الذاتية بأوهام الكهف لأن داخل ذات كل فرد يوجد عالم غامض وعميق (اللاوعي) شبيه بظلام الكهف. كما شبه أوهام الجماعة بالسوق لأنها تتعلق بالتجارة وبتواصل الناس بواسطة اللغة، وشبه الأوهام المذهبية بالمسرح نظرا لأن كل مذهب له طقوسه ومشاهده، وأدوار موزعة داخله شبيهة بما يحدث على خشبة المسرح.
كما شبه بيكون العقل البشري بالمرايا المتراتبة، لأن كلا منهما يقدم صورة مشوهة عن الواقع ويغير من شكل الأشياء. كما شبه المذاهب الفلسفية بالمسرحيات، لأن كلا منهما تخلق في الذهن عوالم وهمية.
كما يعبر العقل أيضا عن أوهامه من خلال الإيديولوجيا، التي تمارس وظائفها حسب بول ريكور من خلال ثلاث آليات؛ أولاها تتمثل في تشويه الواقع وإعطاء صورة معكوسة عنه حيث «ينطلق الاستعمال الأول لمعنى الإيديولوجيا، كاختلال وتشويه للواقع، وهو المعنى الشائع لكلمة إيديولوجيا الذي انتشر بين العموم، بفضل كتابات ماركس ... حاول ماركس بصفة ملحوظة أن يفهم الآخرين المعنى الذي كان يقصده باستعماله للمفهوم. فقد وظف استعارة القلب كما تتم داخل العلبة السوداء، وهي نقطة البداية في عملية التصوير الفوتوغرافي. منذ ذلك الحين أصبحت الوظيفة الأولى للإيديولوجيا هي إنتاج صورة معكوسة عن الواقع ... إنه الرابط الذي أسسه ماركس بين تمثلات الوعي وواقع حياة الناس الذي سماه بالممارسة. ستعني الإيديولوجيا إذن العملية الفكرية العامة التي بواسطتها تعمل التمثلات  الخيالية على تشويه حياة الناس الواقعية...»(21)
والثانية تتمثل في تبرير الأوضاع القائمة حيث تعمل الطبقة المسيطرة على إعطاء مبررات لأفكارها، وإضفاء المشروعية على مخططاتها ومشاريعها. و «ترتبط هذه الوظيفة عندما تتحول أفكار الطبقة المسيطرة في المجتمع إلى أفكار مهيمنة تدعي الكونية والشمولية.»(22)
أما الآلية الثالثة فتتمظهر من خلال إدماج الأفراد في هوية الجماعة حيث يتم الاحتفال بالأحداث المؤسسة لهذه الهوية ومحاولة ترسيخها لدى الأفراد، و تكوين بنية رمزية للذاكرة الجماعية.
وقد اعتبر بول ريكور أن وظيفة الإدماج هي آلية أعمق وأشمل من الوظائف الأخرى؛ لأن وظيفة الإدماج تتضمن في طيّاتها وظيفة التبرير؛ ذلك أنه لكي تدمج الأفراد في إيديولوجيا معينة يجب بالضرورة أن تقدم لهم تبريرات تسهل عملية إدماجهم، أما إنتاج الوهم فهو ناتج عن فساد يصيب عملية التبرير،  أي أن التبرير حينما لا يكون معقولا يلتجئ إلى الأوهام والأساطير التي تقدم لنا صورة معكوسة عن الواقع الحقيقي.
وهكذا تظهر الإيديولوجيا كنسق من الأفكار والتمثلات التي تحملها جماعة ما حول العالم، والتي لا تعكس موضوعيا الشروط الواقعية لحياة الناس. كما تقوم الإيديولوجيا بوظيفة تبرير ما يجري على أرض الواقع من سياسة متبعة، وهي بذلك تعمل على فرض نظام سياسي شمولي يعبر عن  سلطة كليانية للدولة، تفرض مشاريعها بالقوة عن طريق زرع الرعب في أفراد الجماعة .
و حينما تقوم الإيديولوجيا بوظيفة الإدماج، فإن الهدف الأساسي من ذلك هو تشكيل هوية خاصة بالجماعة، وجعل الأفراد ينخرطون داخلها ويستبطنون مقوماتها الأساسية،  ويتم ذلك من خلال إشراكهم في إحياء الأحداث المؤسسة للهوية الجماعية وتخليد ذاكرتها التاريخية.
وقد استشهد بول ريكور بالفيلسوف الألماني كارل ماركس الذي استخدم الإيديولوجيا بمعنى إنتاج صورة معكوسة عن الواقع، كما اعتبر الإيديولوجيا بمثابة العلبة السوداء، ذلك بأن الإيديولوجيا تقوم بقلب الواقع مثلما تقوم العلبة السوداء بقلب أشياء الواقع في عملية التصوير الفوتوغرافي. وهو ما جعله يخرج باستنتاج، مفاده أن الإيديولوجيا هي تصورات عقلية وفكرية لا تعكس حقيقة الناس الواقعية.
ولتوضيح الوظائف الثلاث للإيديووجيا، قدم لنا ريكور أمثلة من الواقع الاجتماعي والتاريخي؛ حيث قدم لنا مثال "السلطة الكليانية" كنظام سياسي تتجلى فيه الوظيفة التبريرية للإيديولوجيا. كما قدم لنا مثال "الاحتفال بإحياء الأحداث التاريخية والسياسية لجماعة ما"، وذلك من أجل توضيح االوظيفة الإدماجية للإيديولوجيا. وقد اعتبر بول ريكور بأن وظيفة الإدماج هي أهم وظيفة تقوم بها الإيديولوجيا،  لأنها تتضمن في طياتها الوظيفتين السابقتين.
وفي سياق الحديث عن علاقة الوعي بالواقع الاجتماعي، رفض كارل ماركس أن يكون الوعي هو الذي يحدد الوجود الاجتماعي، ورأى على العكس من ذلك بأن مختلف أشكال الوعي، من أفكار وأخلاق وتصورات وإيديولوجيا وثقافة روحية، هي انعكاسات للحياة العملية والمادية. فالناس ينشئون أفكارهم وتصوراتهم وهم يخوضون غمار الصراع المادي والاقتصادي والاجتماعي، بحيث أن  نوعية هذا الصراع ودرجة حدته هو ما يفرز لنا أفكارا وأشكالا من الوعي المختلفة، «ومن ثمة فإن الأخلاق والثقافة الروحية والميتافيزيقا، وكل ما تبقى من الإيديولوجيا، وكذا أشكال الوعي المقابلة لها، تفقد مباشرة كل مظهر للاستقلال الذاتي. فكلها ليس لها تاريخ مستقل وتطور مستقل؛ بل على العكس، فالناس هم الذين يعدلون ويطورون أفكارهم من خلال عملية الإنتاج المادي التي يقومون بها وخلال العلاقات المادية التي تنشأ بينهم.»(23) ومن هنا، فالوعي هو مجموع من الأفكار والتصورات العقلية، وكذا الخبرات السيكولوجية التي تجري في الذات، والتي هي نتاج للعلاقات المادية والاجتماعية.
وقد اعتبر كارل ماركس أن هناك علاقة وطيدة بين الوعي كأفكار وتمثلات وإيديولوجية من جهة، والحياة المادية الاجتماعية من جهة أخرى. وذهب إلى أن الحياة المادية هي التي تحدد الوعي وليس العكس. غير أن الإيديولوجية في نظره تقلب الواقع ولا تقدم صورة حقيقية عنه. من هنا رأى ماركس أن الوعي ليس هو الذي يحدد الوجود الاجتماعي بل إن الوجود الاجتماعي هو الذي يحدد الوعي. وهذا ما يجعل أن كل أشكال الوعي من أفكار وتمثلاث دينية وأخلاقية وميتافيزيقية...هي تجلي وانعكاس للحياة المادية.
ويبرز ماركس أن العلاقة بين الوعي والسلوك المادي تشبه العلاقة بين الإنتاجات الفكرية، سواء كانت قانونية أو أخلاقية أو دينية أو غيرها، والسلوك المادي للبشر؛ إذ يعتبر هذا الأخير هو المحدد سواء لأشكال الوعي المختلفة أو للإنتاجات الفكرية في مجالات الدين والأخلاق والقانون... وقدم لنا ماركس مثال الغرفة السوداء لآلة التصوير، لكي يوضح لنا أن الناس يبدون مقلوبين في الإيديولوجيا مثلما أن الأشياء تبدو مقلوبة في الغرفة السوداء لآلة التصوير. كما قدم لنا مثال شبكية العين، لكي يبين لنا أن الواقع الاجتماعي المادي ينعكس على مستوى الأفكار الإيدلولوجية مثلما تنعكس الأشياء على شبكية العين، فالظاهرة الأولى تاريخية وثقافية في حين أن الظاهرة الثانية بيولوجية وطبيعية. وقد أكد ماركس على أن الثقافة الشعبية بما تخلقه من حكايات وأساطير وأفكار وهمية هي أيضا ناتجة عن الحياة المادية للناس، مثلها في ذلك مثل الأفكار و التمثلات الواعية.
وإذا كانت الإيديولوجيا هي مجموعة من الأفكار والتمثلات التي تعبر عن وعي زائف يقلب الواقع ولا يقدم صورة حقيقية عنه، فهل ترتبط بالوعي فقط؟ ألا يمكن القول أنها تكون أحيانا تعبيرا عن دوافع ومكونات لاواعية؟
في إطار الإجابة عن هذا الإشكال، اعتبر لويس ألتوسير أن «الإيديولوجيا ليست شذوذا، أو شيئا زائدا عرضيا في التاريخ، إنها بنية جوهرية أساسية للحياة التاريخية للمجتمعات، وإن وجودها والاعتراف بضرورتها هما وحدهما اللذان يسمحان بالتأثير على الإيديولوجيا وجعلها وسيلة واعية فعالة في التاريخ.»(24) ومن هنا، فهو يرى أن الإيديولوجيا بنية جوهرية في تاريخ المجتمعات البشرية، وأنها عبارة عن مجموعة من الصور والتمثلات والتخيلات التي تعبر عن معاناة الناس بظروف عيشهم، وتفرض نفسها عليهم كبنيات ووفقا لعمليات يجهلون مدلولها. كما تعبر الإيديولوجيا عن آمال وحنين الناس لمجتمع أفضل. وبذلك فهي لا تعكس الواقع الحقيقي للناس، بل تقدم صورة وهمية عنه.
ويرى ألتوسير أنه « يجري القول عادة بأن الإيديولوجيا تنتمي إلى منطقة الوعي. علينا ألا ننخدع بهذه التسمية التي تظل حاملة لآثار الإشكالية المثالية السابقة على ماركس. ففي حقيقة الأمر إن الإيديوولجيا لا يربطها بالوعي إلا رباط واه. هذا مع تسليمنا بأن لفظ الوعي ذاته له مدلول واحد بعينه. إن الإيديولوجيا في جوهرها لاواعية حتى وإن تبدت لنا (كما هو الأمر في الفلسفة الماركسية) في شكل واع.»(25) وهكذا، يعترض ألتوسير على التصور الذي يرى أن الإيديولوجيا زائدة وعرضية في التاريخ، ويعتبر على العكس من ذلك بأنها متجذرة وجوهرية في تاريخ المجتمعات البشرية. كما يدحض ألتوسير أطروحة ماركس التي تقول إن الإيديولوجيا هي تمثلات واعية وصادرة عن الوعي، ويقول خلافا لذلك إنها في جوهرها عبارة عن صور وخيالات تفرض نفسها على الناس بكيفية لاواعية. ويستنتج ألتوسير بأن الإيديولوجيا، كصور وخيالات وتمثلات، تعبر عن معاناة الناس وعلاقتهم بظروف عيشهم. فهي علاقة مركبة من الدرجة الثانية؛ ذلك أن الإيديولوجيا لا تعبر عن العلاقة الحقيقية للناس بظروف عيشهم، بل تعبر عن تصورات وتخيلات عن هذه العلاقة. ولذلك فالإيديولوجيا تقدم لنا صورة وهمية خيالية تعبر عن رغبة وطموح الإنسان إلى عالم أفضل أكثر مما تعبر عن واقع حقيقي فعلي.
إن الإيديولوجيا حسب ألتوسير هي عبارة عن صور وخيالات تعبر عن علاقة الناس بعالمهم، وهي في الغالب تقدم صورة وهمية عن الواقع الحقيقي للناس. وهذا ما يجعل العلاقة بين الإيديولوجيا والواقع علاقة لاواعية في جوهرها، فهي علاقة مركبة أو علاقة من الدرجة الثانية؛ ذلك أن الإيديولوجيا لا تعبر عن العلاقة الحقيقية للناس بظروف عيشهم، بل تعبر عن تصورات فكرية عن هذه العلاقة. ولذلك فالإيديولوجيا تقدم لنا صورة وهمية خيالية تعبر عن رغبة وطموح الإنسان إلى عالم أفضل أكثر مما تعبر عن واقع حقيقي فعلي، فهي لا تعبر عن العلاقة الحقيقية للناس بظروف عيشهم، بل تعبر عن تأويلات وقراءات فكرية تصور عالما ممكنا ووهميا أكثر مما تصف واقعا فعليا وحقيقيا، «ففي الإيديولوجيا تندرج العلاقة الحقيقية داخل العلاقة الوهمية: تلك العلاقة التي تعبر عن إرادة أو أمل وحنين أكثر مما تصف واقعا معينا.»(26)
وحينما يعترض ألتوسير على الأطروحة التي تربط الإيديولوجيا بالوعي فقط، فلأنه يعتبرها سجينة للإشكالية المثالية السابقة على ماركس، والتي هي إشكالية تستحضر فقط الوعي والواقع وتعمل على إقصاء دور اللاوعي في تحديد الأفكار والممارسات البشرية. وهذا ما جعل ألتوسير يعتبر أن التمثلات الإيديولوجية تفرض نفسها على الناس انطلاقا من عمليات خفية لاواعية، يجهلون مدلولها في الغالب!!
وبالرغم من تأكيد الكثير من العلماء والفلاسفة على دور اللاوعي في تحديد مواقف الإنسان وأفعاله، فإنه يمكن الإشارة مع الفيلسوف الفرنسي ألان (إميل شارتيي) إلى ضرورة «تجنب الكثير من الأخطاء التي قامت على أساس لفظ اللاشعور. ومن أخطر هذه الأخطاء الاعتقاد أن اللاشعور هو أنا آخر، أي أن له أحكام مسبقة، وأهواؤه وحيله، ملاك شرير أو ناصح شيطاني. إن ما ينبغي فهمه –كرد على ذلك- هو أنه لا توجد فينا أفكار سوى ما تمنحنا إياه الذات الفاعلة، أي الشخص المتكلم.»(27) ومن هنا رفض ألان أن يكون اللاشعور أنا آخر،  بل إن كل أفكارنا وسلوكاتنا هي  نتاج لإرادة صادرة عن الذات الواعية الفاعلة والمتحكمة.
ويمكن القول مع الفيلسوف الفرنسي إريك فايل (1904-1972) بأن الوعي يلعب دورا مهما في إعطاء معنى لوجود الإنسان في هذا العالم؛ حيث أكد فايل على أن الوعي هو أساس وجود الإنسان،  وبدون هذا الوعي المؤسس لا يوجد معنى بالكل. كما أن التفكير في المعنى هو من اختصاص الفلسفة وليس من اختصاص العلم.

هوامش

1- ديكارت، التأملات، التأمل الثاني، ترجمة عثمان أمين، مكتبة الأنكلومصرية، الطبعة الثانية 1974، ص:103.
2- نفسه.
3- نفسه.
4- نفسه.
5- نفسه.
6- دفيد هيوم، منقول من "المختار من النصوص"، اختيار وتعريب محمود يعقوبي، مكتبة الشركة الجزائرية، 1972، ص:65.
7- نفسه، ص:66.
8- Kant, Anthropologie du point de vue pragmatique, livre 1, P 9, trad. M.Foucault, Vrin, 1994, (2éme Edition)
عن
 J.Russ , les chemins de la pensée, Bordas, 1999, p 303     
9- جون بيير شونجو، مانيار، نصوص فلسفية، بدون تاريخ، ص 69. عن: مقرر "في رحاب الفلسفة" بالمغرب، السنة الأولى بكالوريا، الشعب العلمية ... طبعة 2006، ص: 14.
10- نفس المصدر والصفحة.
11- برتراند راسل، علم ودين، غاليمار 1957 ص: 130. عن: مقرر "في رحاب الفلسفة" بالمغرب، السنة الأولى بكالوريا، الشعب العلمية ... طبعة 2006، ص: 15..
12- فريديريك هيجل، الاستطيقا، مختارات، المنشورات الجامعية الفرنسية 1953، ص:21. عن المقرر الدراسي "الفكر الإسلامي والفلسفة"، الثانية الثانوية الأدبية، طبعة 1999-2000، ص:52.
13- سيغموند فرويد، تفسير الأحلام، ترجمة مصطفى صفوان، دار المعارف بمصر، بدون تاريخ، ص: 594-595. 
 14- Freud, Métapsychologie, Trad.Laplanche et Pontalis, Gallimard, Coll..Idéés, 1968. Pp.66-67.
عن مقرر "منار الفلسفة" للسنة الأولى بكالوريا بالمغرب، مسلك الآداب والعلوم الإنسانية، طبعة 2007م، ص.16.
15- نفسه.
16- سيغموند فرويد، تفسير الأحلام، ترجمة مصطفى صفوان، دار المعارف بمصر، ط2، 1969، ص: 425.
17- ألان، مبادئ الفلسفة، غاليمار 1985، ص 155. عن: مقرر "في رحاب الفلسفة" بالمغرب، السنة الأولى بكالوريا، طبعة 2006، مسالك الشعب العلمية..، ص 19.
18- Gustave Le Bon, psychologie des foules, PUF, 1971, p.12.
19- نفس المصدر والصفحة.
20- فرنسيس بيكون، الأورغانون الجديد، عن: حبيب الشاروني، فلسفة فرنسيس بيكون، دار الثقافة الدار البيضاء، 1981، ص: 124-126.
21- بول ريكور، من النص إلى الفعل: أبحاث في الهرمينوطيقا، طبعة سوي، 1986، صص 419-426 عن: مقرر "في رحاب الفلسفة" بالمغرب، السنة الأولى بكالوريا، طبعة 2006، مسلك الآداب والعلوم الإنسانية، ص 20.
22- نفسه.
23- Karl Marx, L’idéologie allemande, éd. Sociales, Paris, 1982, p. 78
24- Louis Althusser, Pour Marx, F.Maspero, Paris, 1972 , pp. 238-240.
عن دفاتر فلسفية، العدد 8، ص: 9-10.
25- نفسه.
26- نفسه.
27- ألان، مبادئ الفلسفة، غاليمار 1985، ص 155. عن: مقرر "في رحاب الفلسفة" بالمغرب، السنة الأولى بكالوريا، طبعة 2006، مسالك الشعب العلمية..، ص 19.






الخميس، 27 سبتمبر 2018

ملخص التاريخ

التاريخ


يقول عبد الله العروي:
« قد يتساءل المؤرخ عن صناعته فيعني بالتاريخ تحقيق وسرد ما جرى فعلا في الماضي، ويتساءل الفيلسوف عن هدف الأحداث فيعني بالتاريخ مجموع القوانين التي تشير إلى مقصد خفي  يتحقق تدريجيا أو جدليا، ويتساءل الفيلسوف أيضا عن ماهية الإنسان، عما يميزه عن سائر الكائنات، فيقول إنه التاريخ».
- نلاحظ أن التاريخ هو مجال اهتمام كل من المؤرخ والفيلسوف؛ فالأول يحقق الوثائق التاريخية من أجل معرفة ما جرى في الماضي، أما الثاني فهو يعود إلى الأحداث التاريخية من أجل الكشف عن منطقها ومعرفة القوانين المتحكمة فيها، وتحديد الغاية التي تسعى إليها.
- يربط الفيلسوف بين التاريخ وماهية الإنسان ويعتبر أن الإنسان كائن تاريخي؛ فإذا كانت الحيوانات غير العاقلة تعيش أنماط عيش ثابتة تتحكم فيها قوانين غريزية في الحاضر، فإن الإنسان على العكس من ذلك يطور أنماط عيشه ويستفيد من خبرات الماضي، لأن له ذاكرة وهوية في الماضي التاريخي.
- إذا كان المؤرخ يريد « سرد ما جرى فعلا في الماضي » ، فهل بإمكانه ذلك؟ هل يمكن للمؤرخ أن يقدم لنا أحداث الماضي بدقة وموضوعية أم أن دراسة الماضي التاريخي تتم انطلاقا من ذاتية المؤرخ وهواجسه في الحاضر؟
- إذا كان الفيلسوف يهتم بالكشف عن القوانين التي تحكم الأحداث التاريخية وكذا الغايات التي تسعى نحوها، فهذا يدفعنا إلى التساؤل: هل هناك منطق تخضع له الأحداث التاريخية؟ وهل هناك غاية نهائية للصيرورة التاريخية؟ وهل التاريخ يتقدم بشكل حتمي وتراكمي ومتصل أم أن هناك قفزات وطفرات وصدف وأحداث عرضية في التاريخ؟
- وحينما نقول إن الإنسان كائن تاريخي، يتبادر إلى ذهننا أن الإنسان هو الذي يحدث الأفعال التاريخية. لكن ما حقيقة أن الإنسان هو محدث الأحداث التاريخية؟ وهل هو الذي يصنع الأحداث التاريخية أم أن هناك عوامل موضوعية هي التي تتحكم في الصيرورة التاريخية؟  
1- المعرفة التاريخية:
يقول ريمون آرون:
« إن الماضي حاضر على شكل آثار ما زلنا إلى حد الآن نراه ونفهم معناه ... سيكون الموضوع في هذه الحالة مركبا من أحداث الوعي التي كانت موجودة أنذاك. لكنها أحداث لا توجد اليوم ولا يمكنها أن توجد أبدا. فما نريد معرفته لم يعد له وجود ... إن موضوع التاريخ واقع لم يعد له وجود، وهذا الواقع هو واقع إنساني. فتصرفات المحاربين كانت ذات دلالة، والحرب ليست واقعة مادية».
إن دراسة التاريخ إذن لا تتعلق فقط بدراسة الأحداث والآثار المادية، بل بدراسة أحداث الوعي أيضا؛ أي الدلالات والأفكار التي كان يحملها الفاعلون التاريخيون. وهذا ما يجعل دراسة التاريخ دراسة معقدة وصعبة، لأنها تتعلق بالظاهرة الإنسانية في بعدها التاريخي. ثم إن موضوع هذه الدراسة هو موضوع لم يعد له وجود في الحاضر، هناك فقط آثار ووثائق تدل عليه، فهل يمكن إذن معرفة الماضي التاريخي انطلاقا من الوثائق والآثار المادية؟ وهل يمكن للمؤرخ أن يتناول المعرفة التاريخية  بشكل موضوعي أم أن ذاتيته تحضر أثناء هذه الدراسة؟ ولماذا نريد معرفة الماضي؟ هل من أجل معرفته كماضي أم من أجل الاستفادة منه في الحاضر؟ كيف إذن يمكن معرفة التاريخ؟ بأية وسائل ومناهج؟
1-1-        أطروحة ابن خلدون: المنهج النقدي في دراسة التاريخ.
يميز ابن خلدون بين ظاهر التاريخ وباطنه، ويعتبر أن التاريخ في ظاهره هو مجرد سرد وحكي وإخبار عن وقائع حدثت أو يعتقد أنها قد حدثت في الماضي. أما باطن التاريخ فهو الكشف عن أسباب حدوث تلك الوقائع بعد أن تخضع للتمحيص والتحقيق والنقد العقلي.
ويرى ابن خلدون أن هناك غاية أساسية من دراسة التاريخ، هي تلك التي تتمثل في أخذ العبرة الأخلاقية والفائدة السياسية من الأحداث والأحوال التي عاشتها الأمم السابقة. ولهذا فالهدف من دراسة التاريخ هو الاستفادة منه في الحاضر، ولتحقيق هذا المراد يدعو ابن خلدون إلى ضرورة أخذ الحيطة والحذر مما يروى عن الماضي من أحداث؛ إذ الكثير منها قد يكون وهميا وخاطئا. ولن يكون هذا الحذر ممكنا إلا بإخضاع الأخبار المنقولة إلى أصول وقواعد مستمدة مما درج على تداوله في مجال السياسة ومما يميز طبيعة الاجتماع البشري.
وهكذا يوجه ابن خلدون نقده إلى مجموعة من المؤرخين الذين كانوا لا يتحرون الدقة في نقل الأحداث، مما يجعلهم يقعون في الأوهام والمنزلقات ويقدمون أخبارا لا تاريخية ولا واقعية، هي من قبيل الحكايات الخيالية المبالغ فيها. من هنا وجب حسب ابن خلدون تأسيس المعرفة التاريخية على منهج نقدي يعتمد على تحقيق الأخبار وإخضاعها إلى قواعد ومبادئ واقعية، مستمدة من أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران البشري، ويعتمد فيها على قياس الغائب على الشاهد وسبرها بمعيار الحكمة والعقل.
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل يكفي المنهج النقدي من تحقيق معرفة دقيقة وموضوعية بالماضي التاريخي؟ ألا تتطلب المعرفة التاريخية نوعا من الذاتية والتعاطف لسبر أعماق الوقائع وفهم أحداث الوعي وليس فقط الأحداث الماضية؟
1-2 أطروحة هنري مارو: أهمية منهج التعاطف في بناء المعرفة التاريخية.
إذا كان المنهج النقدي يوفر الشروط الموضوعية للمعرفة التاريخية، فإن هنري مارو يرى بأنه يلزم أيضا إضافة ما سماه بالشروط الذاتية لفهم الماضي بشكل أفضل. هكذا يكون على المؤرخ أن يمارس نوعا من التعاطف، ويربط نوعا من الصداقة مع الموضوع التاريخي الذي يدرسه حتى يتمكن من النفوذ إلى أحداث الوعي، أي تلك الأفكار والمشاعر التي صاحبت الفاعلين التاريخيين وهم ينجزون أحداثهم.
وهكذا يرى هنري مارو أنه يمكن إحداث نوع من التضافر والتكامل بين المنهج النقدي ومنهج التعاطف في بناء معرفة حقيقية بالوقائع التاريخية. غير أن هذا الجمع بينهما ليس بالأمر السهل، ولذلك يجب تجنب التقصير والإجحاف الذي قد يطال المعرفة التاريخية من جراء تطبيق المنهج النقدي الصارم، كما يجب تجنب الغفلة والتواطؤ الذي قد يأتي إلى المعرفة التاريخية من المنهج الذي يعتمد  الذاتية والتعاطف. ولذلك يبدو أن الرهان هو تحقيق نوع من الذاتية الموضوعية التي تناسب طبيعة المعرفة التاريخية، وهي ذاتية لا يمكن أن تتحقق إلا بالمزاوجة بين المنهج النقدي ومنهج التعاطف.
2-       التاريخ وفكرة التقدم:
إن المتأمل في التاريخ يلاحظ ولا شك التقدم الذي حققه الإنسان في شتى المجالات والميادين، لكن ما يمكن التساؤل حوله هنا هو: هل يتم التقدم بنفس الدرجة والمستوى في كل المجالات؟ فهل تقدم الغرب مثلا في العلوم يوازيه تقدم في الأخلاق؟ ثم ما الذي يتحكم في سيرورة الأحداث التاريخية؟ هل تخضع لمنطق ما؟ هل يمكن تعقل السيرورة التاريخية؟ وهل يسير التاريخ بشكل متصل ومتراكم أم على شكل طفرات وقطائع وقفزات؟ وهل له غاية نهائية يسعى إليها؟
2-1-        التاريخ يتقدم بشكل حتمي ومتصل نحو غاية نهائية:
يعتبر هيجل من الفلاسفة الذين يعبرون في فلسفتهم عن فكرة التقدم كما أفرزتها العقلانية الأنوارية، التي آمنت بقدرة العقل البشري على تحقيق الأفضل والتحكم في الظواهر الطبيعية والتاريخية.
ومن هنا فالتاريخ الحقيقي وفق الفلسفة الهيجيلية هو ذلك التاريخ الذي يهيمن على الوقائع ويصوغها ضمن منطقها الداخلي، من خلال تفاعل الشخصيات التاريخية نفسها مع المقصد الخفي الذي يبلوره المنطق الباطني للتاريخ؛ حيث يقوم التاريخ وفقا لهذه الفلسفة بتفسير الوقائع واستخراج القوانين والتنبؤات لما سيحدث. فالعقل كما يراه هيجل هو جوهر التاريخ، ومن ثم فهذا العقل هو الذي يتحكم في أحداث العالم عن طريق التاريخ نفسه، وبالتالي فكل حدث من أحداث التاريخ إنما جرى وفقا لمقتضيات العقل المطلق الذي يموضع الأحداث العالمية لتخدم قصدا معينا أو هدفا محددا، وذلك من تحت مظلة التاريخ.
إن فلسفة التاريخ الهيجيلية تعتبر العقل الكلي المطلق هو من يسير التاريخ، بحيث يرتب أحداثه على نحو يجعلها سائرة نحو هدف أو غاية بعيدة المدى. على هذا النحو، فالتاريخ لدى هيجل هو عبارة عن منظومة تطور ونمو خاضعة لمنطق باطني كامن في الشخصيات التاريخية، التي لم تكن وفق هذه الفلسفة إلا أدوات لتحقيق هدف التاريخ السائر بشكل حتمي نحو تحقيق غاية نهائية، تتمثل في تجسيد حرية العقل المطلقة.
2-2-        لا يتقدم التاريخ بشكل متصل وليس له غاية نهائية:
ينتقد المؤرخ البريطاني المعاصر إدوارد هاليت كار فكرة التقدم التي عبر عنها فلاسفة أمثال هيجل وماركس، حيث رفض إمكانية الحديث عن نهاية أو غاية معينة تسعى نحوها الأحداث التاريخية، واعتبر أن هذا النوع من التصور هو شبيه بالفكر اللاهوتي الذي يفترض بداية  ونهاية للتاريخ. كما ينتقد هذا المؤرخ فكرة التقدم الذي يسير بشكل متصل ومتراكم، ويرى على العكس من ذلك أن السيرورة التاريخية غالبا ما تعرف انقطاعات وانحرافات وتوقفات، كما أن درجة التقدم ليست واحدة في جميع القطاعات والمجالات بل هناك اختلافات وتفاوتات فيما بينها على هذا المستوى بالذات. ولذلك فعوض الحديث مع هيجل عن معقولية كلية للتاريخ، يمكن الحديث عن عدة تواريخ ممكنة لكل منها منطق خاص يتناسب مع خصوصيتها الداخلية من جهة ومع طبيعة المجتمعات التي تحدث داخلها من جهة أخرى.
وإذا كان عالما أنثربولوجيا مثل كلود ليفي ستراوس لا يرفض فكرة التقدم في حد ذاتها بل إنه يثمن ما حققته الإنسانية من إنجازات باهرة في جميع المجالات، فإنه ينتقد فكرة أن التقدم يسير بشكل منظم ومتصل، ويقول على العكس من ذلك إن هذا التقدم يتم على شكل قفزات وطفرات ويتحرك في اتجاهات مختلفة. فليس هناك إذن انتظام وتساوي من حيث درجات التقدم في كل المجالات؛ فيمكن لدرجة التقدم أن تكون أعلى في المجال العلمي عنها في المجال الأخلاقي أو السياسي، كما أن التقدم الحاصل في الدول الغربية ليس هو نفسه الموجود في باقي الدول الإفريقية أو الآسيوية.
بالإضافة إلى هذا فزوايا النظر إلى مفهوم التقدم نفسه تختلف وتتعدد؛ وهذا يعني أن ما تراه جهة ما أو مجتمع ما على أنه تقدم انطلاقا من مرجعيتها الثقافية والاجتماعية قد يكون بالنسبة لجهة أخرى انتكاسا وتخلفا، فمن الصعب وجود معايير كونية نقيس من خلالها درجة التقدم لاسيما حينما يتعلق الأمر بالعلوم الإنسانية والمجالات التي تطغى فيها أحكام القيمة وتتغلب فيها المنظورات الذاتية.
3- دور الإنسان في التاريخ:
إذا افترضنا أن الإنسان لم يوجد على وجه الأرض، هل كان من الممكن أن تظهر الأحداث والإنجازات التي عرفها التاريخ الإنساني؟ بالطبع أن الجواب بالنفي. ويترتب عن ذلك أن الإنسان إذن هو الذي صنع التاريخ؟ لكن ما حقيقة أن الإنسان هو صانع تاريخه؟ هل كل الناس يصنعون التاريخ أم فئات منهم فقط؟ وإذا كان الأمر كذلك، هل يمكن القول إن الفئات الأخرى يصنعها التاريخ أو أنها تخضع لمحددات وعوامل لا دخل لها في صنعها؟ فما درجة نسبة تدخل الإنسان في تحريك عجلة التاريخ نحو الأمام؟ وهل وعي الإنسان وإرادته الحرة هي التي تصنع الأحداث التاريخية أم أن هذه الأخيرة هي نتاج لعوامل موضوعية تتجاوز الإرادة الإنسانية نفسها؟ وهل يمكن الحديث عن حتمية تخضع لها الصيرورة التاريخية أم أن هذه الصيرورة نتاج لحرية الفاعل التاريخي؟
3-1- القول بالحتمية التاريخية:
3-1-1- تصورهيجل: التاريخ يخضع لحتمية صادرة عن عقل كوني.
يرى هيجل أن تاريخ العالم هو مجرد تمظهر لسعي الروح نحو معرفة ذاتها. هكذا يتمظهر العقل أو الروح الكوني عبر التاريخ متجها نحو تحقيق غايات معينة. ولذلك فالصيرورة التاريخية تخضع لحتمية صادرة عن هذه الروح التي تسيطر على جميع مظاهر الحياة البشرية. وفي هذا الإطار يرى هيجل أن أبطال التاريخ وعظمائه هم مجرد أدوات تحقق "الروح" من خلالهم أهدافها الخاصة؛ فلكل حقبة تاريخية روحها الخاصة يسميها هيجل بروح العصر، وهي التي تسيطر على الأفراد وتستعملهم لصالحها الخاص ومن أجل تحقيق إنجازات حتمية لا بد أن تظهر في زمانها الخاص ولو ضدا على الإرادات الفردية.
إن العقل الكوني يسكن داخل الشخصيات التاريخية ويتواجد داخل لاوعيها، وهو من خلال هذا التواجد يستخدمها لتحقيق غاياته. وما إن ينتهي دور تلك الشخصيات وكفاحها من أجل تحقيق الغايات الكونية للعقل حتى تختفي من مسرح التاريخ دون أن تحقق سعادتها الخاصة.
3-1-2- تصور ماركس: التاريخ يخضع لحتمية مادية.
لقد استبدل ماركس الحتمية المثالية الهيجيلية بحتمية مادية تنتقد الأولى وتقلبها. هكذا رفض ماركس أن يكون هناك عقل كوني أو روح مطلق هو الذي يتحكم في الصيرورة التاريخية ويوجه أحداثها، ورأى على العكس من ذلك أن الممارسة المادية المتمثلة في نمط الإنتاج السائد هي التي تتحكم في وعي الناس وتوجه الأحداث التاريخية.
من هذا المنطلق اعتبر ماركس أن كل أشكال الوعي المختلفة، سواء كانت دينية أو سياسية أو فنية أو غيرها، هي نتاج لأساليب العيش المادية والاجتماعية التي تتجلى في أنماط من علاقات الإنتاج السائدة بين الطبقات الاجتماعية. فالصراع الطبقي حول المصالح الاقتصادية يلعب دورا كبيرا في تحريك عجلة التاريخ، كما أن سير الأحداث التاريخية لا يتوقف على وعي الأفراد وإراداتهم الحرة بل إن المحرك الأساسي لها هي العوامل المادية والاقتصادية التي تتجاوز الإرادات الخاصة للأفراد وتشرط وعيهم. وما دام الوعي مشروطا بعوامل خارجية، وما دام أن الوعي هو الذي يفترض أنه يجعل الإنسان صانعا لتاريخه، فإن ما يصنع التاريخ في هذه الحالة ليس هو وعي الأفراد بل عوامل مادية واجتماعية تتجاوز حرياتهم.
3-2- القول بحرية الإنسان في صنع التاريخ:
لقد تعرضت الماركسية لتأويلات وقراءات مختلفة، من بينها القراءة الخاصة التي قدمها الفيلسوف الفرنسي الوجودي جان بول سارتر الذي بين أن الفلسفة الماركسية هي فلسفة تدعو إلى التحرر والانعتاق ، ورغبة الطبقة العاملة في السيطرة على وسائل الإنتاج وتوجيه أحداث التاريخ لصالحها.
وقد اعتبر سارتر أنه إذا كان الناس يتحركون ضمن شروط واقعية سابقة على وجودهم، فإنهم مع ذلك هم الذين يصنعون تاريخهم ولا يمكن اعتبارهم مجرد أدوات فاقدة للوعي. وإذا كانت فئة من الناس في ظرفية زمنية معينة لا تصنع التاريخ، فإن فئة أخرى تصنعه. ومن هنا يظل الإنسان هو الفاعل الحقيقي للأحداث التاريخية، بالرغم من أنه يقع أحيانا ضحية الاستغلال الناتج عن الهيمنة الاقتصادية والاجتماعية.
إن التاريخ حسب سارتر هو نتاج للفاعلية البشرية التي تحقق من خلاله مشروعها الخاص، لكن هذا التاريخ مع ذلك سيظل غريبا عن الإنسان ما لم يتحرر من الاستغلال والهيمنة ويستفيد من كفاحه ومجهوده الذي سيمكنه من صنع التاريخ وتملكه، وإعطائه معنى يتماشى مع طموحاته وغاياته الخاصة.

ملخص الغير

الغير


 نجد في معجم روبير الفلسفي تعريفا للغير جاء فيه ما يلي: "الغير هم الآخرون من الناس بوجه عام". كما نجد تحديدا في معجم لالاند الفلسفي جاء فيه مايلي: "الغير هو آخر الأنا، منظورا إليه ليس بوصفه موضوعا، بل بوصفه أنا آخر". ويقول جان بول سارتر: "الغير هو الآخر، الأنا الذي ليس أنا". انطلاقا من هذه التحديدات يمكن أن نلاحظ بأن الغير هو مخالف ومشابه للأنا في نفس الوقت؛ إنه مماثل له في الإنسانية، أي يتمتع مثله بمقومات الشخص من وعي وحرية وكرامة وغير ذلك. لكنه مع ذلك يختلف عنه في الكثير من الخصائص المتعلقة بالجوانب السيكولوجية والاجتماعية والثقافية وغير ذلك. وانطلاقا من تحليل مكونات تلك التعاريف يمكن أن نطرح مجموعة من التساؤلات: هل وجود الغير ضروري لوجود الأنا ووعيه بذاته؟ وإذا كانت معرفة الموضوعات الطبيعية ممكنة بفضل تطور العلوم الدقيقة، فإن معرفة الغير كوعي آخر تطرح العديد من الصعوبات؛ فهل معرفة الغير ممكنة؟ وكيف تتم معرفته بوصفه وعيا؟ غير أن العلاقة بين الأنا والغير لا تنحصر في المستوى المعرفي، بل تتجلى في مستويات عدة؛ عاطفية وأخلاقية واجتماعية...فما هي طبيعة العلاقة التي يجب أن تسود داخل هذه المستويات بين الأنا والغير؟ وعلى ماذا يجب أن تتأسس هذه العلاقة؟
1-   وجود الغير.
 إذا كان الأنا يتميز عن باقي الكائنات والأشياء بصفة الوعي، فإن وعيه هذا يتخذ عدة أشكال؛ كالوعي السيكولوجي والوعي المعرفي والوعي الأخلاقي. فمن الناحية السيكولوجية تصدر عن الأنا انفعالات مثل الحب والكراهية، كما تصدر عنه من الناحية المعرفية عمليات فكرية مختلفة مثل الشك والتخيل، ومن الناحية الأخلاقية يتميز بصفات مثل الشجاعة والكرم. ولذلك نتساءل؛ هل يمكن أن يمارس الأنا هذه الأفعال والعمليات دون حضور الغير كطرف فيها؟ فإذا لم يكن هناك وجود للغير في عالم الأنا، فمن سيحب هذا الأخير ومن سيكره؟ وهل يمكنه أن يفكر في قضايا سياسية واجتماعية وغيرها دون حضور الغير كطرف أساسي مولد لهذه القضايا؟ ثم كيف للأنا أن يعرف أنه شجاع أو كريم دون وجود الغير؟ وعلى العموم هل وجود الغير ضروري لوجود الأنا أم أنه مجرد وجود جائز ومحتمل؟
1-1: تصور ديكارت: وجود الغير غير ضروري لوجود الأنا ووعيه بذاته.
لقد اعتمد ديكارت على الشك من أجل بلوغ الحقيقة؛ وهكذا فقد شك في كل شيء إلا في حقيقة واحدة، بديهية ويقينية، وهي أنه يشك أي يفكر، وبالتالي فهو يقينا يوجد كذات أو كجوهر مفكر. إن وجود الأنا كفكر وكوعي هو وجود يقيني لا يطاله الشك مادام أنه موضوع لإدراك حدسي مباشر، أما وجود الغير كذات مفكرة وواعية فلا يتم إثباته إلا عن طريق الافتراض أنه شبيه للأنا، وبالتالي فوجود الغير في فلسفة ديكارت يتم التوصل إليه عن طريق استدلال قياسي، وكل ما يحصل عن طريق الاستدلال فهو قابل للشك.
إن الوعي عند ديكارت هو حضور الذات إزاء نفسها، لذلك يصعب إدراك الغير كوعي آخر من طرف وعيي أنا. وهذا ما جعل ديكارت يسقط فيما يمكن تسميته بعزلة الذات مادام أنه متأكد من ذاته وحدها، في حين يبقى وجود الغير مجرد وجود افتراضي، جائز ومحتمل.

  1-2: تصور هيجل: إثبات وجود الأنا لا يكون إلا من خلال الصراع مع الغير.
ضد الموقف الديكارتي شيد هيجل فلسفة للوعي يحتل فيها مفهوم الغير موقعا مركزيا. فكل شيء عند هيجل يحمل نقيضه في ذاته كشرط لتحقق وجوده و استمرار يته. وهكذا فوجود الأنا لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال وجود نقيضه أي الأنا الآخر أو الغير. فلا يمكن للوعي أن يعرف نفسه إلا من خلال انفتاحه على كل ما هو آخر بالنسبة إليه؛ أي أن الوعي يبحث عن وساطة بينه و بين معرفته لنفسه .
و باعتبار الموجودات الطبيعية مجردة من الوعي، فهي موضوعات لإشباع حاجات الوعي الطبيعية،لذلك فهي تغرقه في الحياة العضوية و تجعله لا يتجاوز درجة الإحساس المباشر بالذات، و لهذا أيضا فإنها لا تصلح كوساطة تمكن الوعي من تحقيق معرفة كاملة بنفسه. إن الوعي الآخر ( الغير) هو الوحيد القادر على القيام بدور التوسط بين الأنا ومعرفته بذاته؛ ذلك أن الأنا يسعى إلى الاعتراف به من طرف الآخر. غير أن هذا الاعتراف يتم من خلال عملية الصراع التي تقوم بين الأنا و الغير.
والهدف من هذا الصراع هو إثبات الذات والحفاظ على حريتها، وذلك من خلال نزع الاعتراف بالذات من طرف الآخر. إلا أن نزع الاعتراف هذا لا يتم بسهولة ما دام أن كلا الوعيين يخاطر بحياته ويسعى إلى موت الآخر.
ولكن مع ذلك فهذا الصراع لا ينتهي بالموت الفعلي، بل ينتهي بوجود منتصر ومنهزم: الأول هو وعي من أجل ذاته، والثاني هو وعي من أجل وعي آخر؛ أحدهما سيد والآخر عبد.
وعلاقة السيد بالعبد، حسب هيجل، هي أول علاقة اجتماعية نشأت عن صراع بين طرفين انتهى بإبقاء المنتصر على حياة المنهزم لكي يجعل منه عبدا، أي «وعي تابع تقوم ماهيته في الحياة والوجود من أجل الآخر».
ما يمكن أن نستنتجه في الأخير هو أن وجود الغير عند هيجل هو وجود ضروري من أجل وجود الأنا ووعيه بذاته، فالغير هنا هو بمثابة المرآة البشرية التي يتعرف من خلالها الأنا على ذاته وعلى مقوماته كذات إنسانية.

وقد رأى هيجل أن الوعي يكون في بدايته بسيطا ومنكفئا على ذاته، وغارقا في الحياة الطبيعية العضوية، لكن هذا الوضع لا يمكنه من الارتقاء بذاته إلى مستوى الوجود الإنساني الحقيقي، لأن الأشياء الطبيعية لا تلعب دور الوسيط الحقيقي الذي يمكن الأنا من تحقيق ذاته والسمو بها، ولذلك يبحث الأنا الواعي على وسيطا آخر يثبت من خلاله ذاته ويحافظ على حريته، وسوف لن يكون هذا الوسيط سوى الآخر البشري الذي هو الغير. وبالفعل فهذه الوساطة لا تتم في جو من الهدنة، بل تتم من خلال الصراع المتبادل بين الطرفين، وهو صراع يخاطر من خلاله كل طرف بذاته من أجل نزع اعتراف الآخر به. وهذا الصراع كما هو واضح عند هيجل لا ينتهي بالموت الفعلي لأحد الطرفين، بل بوجود منتصر ومنهزم؛ الأول يكون وعيا من أجل ذاته والآخر وعي من أجل وعي آخر، أحدهما سيد والآخرعبد
ويبدو انطلاقا من تصور هيجل، أنه لا يمكن تصور حياة بشرية بدون صراع بين الناس كأغيار. وينجم عن هذا الصراع ظهور علاقة السيد والعبد كعلاقة حتمية في الوجود البشري مادام أن القدرات والكفاءات تتفاوت بين الناس
كما لا يجب، في نظرنا، تصور هذا الصراع الذي يتحدث عنه هيجل على نحو سلبي وكأنه صراع مدمر وهدام؛ إنه بالفعل قد يتخذ أحيانا مثل هذا الطابع السلبي المدمر لكنه في أحايين أخرى يتخذ طابعا بناءا وإيجابيا، إذ يشكل في هذه الحالة الأخيرة تلك الطاقة أو ذلك الدينامو الضروري لتحريك عجلة التاريخ.
ونحن نلاحظ أنه أثناء الصراع الذي تحدث عنه هيجل، يسعى كل طرف لنزع اعتراف الآخر به. ومادام الأمر يتعلق بنزع الاعتراف وليس بمجرد الاعتراف، فإن العلاقة الحتمية التي ستتم بين الطرفين -الأنا والآخر- هي علاقة الصراع من أجل إثبات الذات وتأكيد قيمتها وتميزها على حساب الآخر. ففي لعبة الصراع لا بد من ترجيح الكفة لأحد المتصارعين، وهو ما تنجم عنه علاقة السيد بالعبد كعلاقة أساسية وجذرية في الاجتماع البشري.

2-    معرفة الغير:
حينما نتحدث عن معرفة الغير، فإن الأمر لا يتعلق بمعرفته كجسم أو كعضوية بيولوجية بل معرفته كروح وكذات تحمل أفكارا ومشاعرا. وإذا كانت عملية المعرفة تفترض ذاتا عارفة وموضوعا للمعرفة ومنهجا تعتمده الذات لتحقيق معرفة بالموضوع، فإن الصعوبات المطروحة هنا هو أننا إزاء ذات تريد أن تعرف ذاتا أخرى؛ فموضوع المعرفة الذي هو الغير هو أيضا ذات واعية وتمتلك جهازا سيكولوجيا مثلها مثل الأنا، أي الذات الأولى التي تريد أن تعرفها. هكذا فالمعرفة المتعلقة بالغير كذات أو أنا آخر، تختلف ولا شك عن المعرفة المتعلقة بالموضوعات الطبيعية أو الأشياء المادية. فإذا كانت معرفة هذه الأخيرة ممكنة إلى حد كبير حينما تتوفر الوسائل العلمية، فهل معرفة الغير ممكنة؟ وما الذي يحول بيني وبين معرفته؟ وما هي السبل الكفيلة بأن تجعلنا نحقق معرفة بالعالم الداخلي للغير؟  
2-1: معرفة الغير بين الإمكان والاستحالة: 
2-1-1: تصور جان بول سارتر: استحالة معرفة الغير.
يرى سارتر أن وجود الغير ضروري من أجل وجود الأنا ومعرفته لذاته، وذلك واضح في قوله: "الغير هو الوسيط الضروري بين الأنا وذاته". من هنا فالغير هو عنصر مكون للأنا ولا غنى له عنه في وجوده. غير أن العلاقة الموجودة بينهما هي علاقة تشييئية، خارجية وانفصالية ينعدم فيها التواصل مادام يعامل بعضهما البعض كشيء وليس كأنا آخر. هكذا فالتعامل مع الغير كموضوع مثله مثل الموضوعات والأشياء يؤدي إلى إفراغه من مقومات الوعي والحرية والإرادة. ويقدم سارتر هنا مثال النظرة المتبادلة بين الأنا والغير؛ فحين يكون إنسان ما وحده فهو يتصرف بعفوية وحرية، وما إن ينتبه إلى أن أحدا آخرا يراقبه وينظر إليه حتى تتجمد حركاته وأفعاله وتفقد عفويتها وتلقائيتها. هكذا يصبح الغير جحيما، وهو ما تعبر عنه قولة سارتر الشهيرة:"الجحيم هم الآخرون".
وحينما يخضع الأنا الغير للمعرفة ويتعامل معه كموضوع أو كشيء، فهو يفرغه من مقومات الوعي والحرية والإرادة، وبالتالي يخلق هوة فاصلة بينه وبين الأنا الذي يريد معرفته. من هنا يرى سارتر أن الأنا يدرك الغير كجسم، ومن ثم فهو يدركه إدراكا إمبريقيا، والعلاقة بينهما هي في أساسها علاقة خارجية وانفصالية ينعدم فيها التواصل.
هكذا يبدو أن معرفة الغير كأنا آخر مستحيلة، مادام أن نظرتنا إليه لا تتجاوز ما هو ظاهري وتبقى مرتبطة بمجال الإدراك الحسي الخارجي.
لكن ألا يمكن معرفة الغير عن طريق الاقتراب منه والنفوذ إلى أعماقه؟ وكيف السبيل إلى تحقيق ذلك؟
2-1-2: موقف ميرلوبنتي: إمكانية معرفة الغير.
يحلل ميرلوبنتي مثال "النظرة" الذي قدمه سارتر، ويعتبرها نظرة تشييئية ترتكز على النظر إلى الغير كموضوع، كما أنها نظرة قائمة على النفي والانسحاب والتقوقع حول الذات، ولذلك فهي نظرة لا إنسانية تعامل الغير كحشرة. ومع ذلك فهي نظرة استثنائية، قائمة على  فعل إرادي وقصدي يفهم منه أن التواصل ممكن ولكننا نمتنع عنه بإرادتنا.
وهكذا يرى ميرلوبنتي أننا حينما نعامل الغير معاملة لا إنسانية، وننظر إليه كموضوع، فإن ذلك يؤدي حتما إلى الحيلولة دون علاقة المودة والعطف بيننا وبينه، مما يؤدي إلى تعليق التواصل معه دون أن يؤدي إلى إعدامه. وهذا دليل في نظر ميرلوبنتي على إمكانية التواصل مع الغير ومعرفته. وتعتبر اللغة وسيلة أساسية لتحقيق هذا التواصل عن طريق إرغام الغير على الخروج من صمته والابتعاد عن حالة العطالة والانغلاق الكلي على الذات.
 وإذا كانت معرفة الغير ممكنة، فما السبيل إلى تحقيقها؟
 2-2: سبل معرفة الغير:
من بين السبل المقترحة لمعرفة الغير هناك "الاستدلال بالمماثلة". ويرتكز استدلال المماثلة على التعبيرات الجسدية الخارجية التي تقوم كوسيط بيني وبين معرفة الحالات الشعورية للغير؛ باعتبار أنني أقوم بنفس التعبيرات الجسدية التي يقوم بها الغير حينما أحس ببعض المشاعر، فأستنتج أن الغير هو أيضا يحس بها حينما يقوم بتعبيرات جسدية مماثلة لتلك التي أقوم بها.
غير أن استدلال المماثلة يطرح كثيرا من الصعوبات، من بينها أن الغير قد يتستر عن مشاعره فيبدي من التعبيرات الجسدية عكس ما يبطنه من حالات وجدانية، كما أنه قد يسيء التعبير عنها، فضلا على أن بأعماق الذات مناطق لاشعورية لا يملك الشخص نفسه معرفة حقيقية بها، فكيف له إذن أن يعبر عنها للآخر بواسطة الإيحاءات الجسدية الخارجية؟!
أمام هذه الصعوبات التي يطرحها استدلال المماثلة، كأحد السبل المقترحة لمعرفة الغير، يقترح ماكس شيلر المعرفة الحدسية المباشرة التي تدرك الغير في كليته.
 فمعرفة الغير تتم من خلال الإدراك الكلي الذي يجمع بين إدراك المظاهر الجسمية الخارجية وإدراك الحالات النفسية والفكرية الداخلية. هكذا فمعرفة الغير لا تتم من خلال تقسيمه إلى ظاهر وباطن، إلى جسم وروح؛ بحيث أن الأول يدرك خارجيا، والثانية تدرك داخليا، إن معرفة بهذا الشكل غير ممكنة لأن الغير كل لا يقبل القسمة، ومعرفته لا تتم إلا بوصفه كذلك.
من هنا يرى شيلر أنه لا يمكن تجزيء ظاهرة التعبير لدى الإنسان إلى وحدات صغرى لإعادة تركيبها لاحقا، بل يجب إدراكها كوحدة غير قابلة للقسمة إلى أجزاء. فمعرفة الغير لا تتم من خلال الملاحظة والاستقراء العلميين، لأن نمط معرفة الغير كأنا آخر غير مماثلة لنمط المعرفة المتعلقة بالظواهر الطبيعية، بل إنها معرفة تتم من خلال التعاطف معه، والنفوذ إلى أعماقه من خلال الترابط الموجود بين تعبيراته الجسدية ومشاعره الباطنية؛ فحقيقة الغير تبدو مجسدة فيه كما يبدو ويتجلى للأنا، حركات التعبير الجسدية لديه حاملة لمعناها ودلالاتها مباشرة كما تظهر؛ الباطن يتجلى عبر الظاهر ولا انفصال بينهما.
3- العلاقة مع الغير من خلال الصداقة والغرابة.
 إن العلاقة مع الغير لا ترتد إلى مجرد علاقة معرفية، بل هي أيضا علاقة سيكولوجية وأخلاقية. ولذلك سنتساءل عن هذه العلاقة الثانية لنحاول الكشف عن مختلف الأسس التي ترتكز عليها. وإذا طبقنا ذلك على الصداقة والغرابة، كوجهين أساسيين من وجوه العلاقة مع الغير، فسيصبح الإشكال على النحو التالي: ما هو أساس الصداقة؟ وعلى ماذا يجب أن تنبني علاقتي بالصديق؟ وإذا كان الغير يتخذ شكل الغريب أيضا، فمن هو الغريب على وجه التحديد؟ وعلى ماذا تتأسس علاقتنا بالغريب؟ وكيف ينبغي من الناحية الإنسانية التعامل معه؟
3-1: الصداقة كوجه من وجوه العلاقة مع الغير:
عرف أرسطو الصداقة باعتبارها فضيلة أخلاقية، كما أنها تلك الرابطة التي تجمع بين الناس داخل المدينة، والتي إن سادت على الوجه الأكمل لم نكن في حاجة إلى قوانين العدالة أصلا. كما يرى أرسطو أن الصداقة ضرورية في الحياة سواء تعلق الأمر بالأغنياء أو الفقراء؛ إذ يحتاج الأغنياء إلى الأصدقاء لكي ينالوا المدح والثناء من جراء ما يسدونه لهم من خيرات، كما يحتاج الفقراء أيضا إلى الصداقة، إذ تعتبر الملاذ الذي يلتجئون إليه من أجل التخفيف من نوائب الدهر.
ويحدد أرسطو ثلاثة أسس تنبني عليها الصداقة؛ المنفعة والمتعة والفضيلة الأخلاقية. هكذا نكون أمام ثلاثة أنواع من الصداقة؛ صداقة المنفعة وصداقة المتعة وصداقة الفضيلة. فالصداقتان الأولتان ترتكزان على المنفعة والمتعة، ولذلك فهما متغيرتان وزائلتان. بينما الصداقة الحقيقية هي صداقة الفضيلة التي تنبني على حب الخير لذاته أولا، وللأصدقاء ثانيا.
وفي نفس السياق حاول أفلاطون أن يحدد أساس الصداقة؛ فذهب إلى أنها تقوم على نوع من الشعور بالنقص، وتعبر عن نزوع الأنا إلى الكمال من خلال حاجته الماسة إلى الغير. هكذا فالصداقة في نظره لا تكون بين الطيبين ولا بين الخبيثين، بل بين ما ليس طيبا ولا خبيثا من جهة وبين الطيب من جهة أخرى. فلكي تكون هناك صداقة بين الأنا والغير لا بد أن تكون الذات في حالة من النقص النسبي الذي يجعلها تسعى إلى تحقيق الكمال مع من هو أفضل. ولو هيمن الشر على الذات، فإنها ستكون في حالة نقص مطلق لا تستطيع معه أن تسمو إلى الخير. ولو كانت الذات في حالة خير مطلق لعاشت نوعا من الاكتفاء الذاتي الذي يجعلها لا تحتاج إلى الصديق. فأساس الصداقة هو الرغبة في تحقيق سمو الذات وكمالها من خلال الغير.
 وفي إطار البحث عن أساس الصداقة كشكل من أشكال العلاقة مع الغير، يمكن أن نقدم تصور كانط الذي أسس العلاقة بين الأنا والغير على مبادئ أخلاقية وعقلية كونية. ويتجلى ذلك من خلال حديثه عن الصداقة باعتبارها علاقة تقوم على مشاعر الحب والاحترام المتبادلة بين شخصين. وغاية الصداقة، في صورتها المثلى، هي غاية أخلاقية طيبة، تتمثل في تحقيق الخير للصديقين معا. وقد اعتبر كانط الصداقة واجبا عقليا يجب على الإنسان السعي نحو تحقيقه، وإن كان يتعذر تحقيقها في صورتها المثلى على أرض الواقع. فالعلاقة مع الغير يجب أن تراعي نوعا من التوازن بين عناصر الواجب الأخلاقي؛ بين مشاعر الحب من جهة، ومشاعر الاحترام من جهة أخرى.
 لكن علاقتي بالغير لا تكون دائما في إطار الصداقة؛ إذ أكون مجبرا أيضا على التعامل مع الغريب. فمن هو الغريب على وجه الدقة؟ وكيف ينبغي أن تكون علاقتي به؟
 3-2: الغرابة كوجه من وجوه العلاقة مع الغير:
ترى جوليا كريستيفا أنه عادة ما يتم النظر إلى الغريب باعتباره ذلك الدخيل/الأجنبي الذي يهدد أمن الجماعة، ويشكل مصدر قلق لها ومهددا لأمنها واستقرارها. ولذلك تتخذ الجماعة من هذا الغريب موقف الإقصاء والتهميش والنبذ والحقد، باعتباره عدوا يجب القضاء عليه أو على الأقل الحذر منه.
لكن كريستيفا ترفض تحديد الغريب انطلاقا من هذا التصور الشائع، وتقدم بالمقابل تحديدا تعتبره أكثر عمقا وتعبيرا عن الغرابة الحقيقية. هكذا تعتبر أن الغريب يسكننا على نحو غريب؛ فهو إذن ليس خارجيا أجنبيا بل داخليا، يسكننا، إنه يوجد فينا. إن الغرابة بهذا المعنى الأخير تتجلى في جهل الإنسان بذاته وبأعماقه ومكونات هويته. كما تتجلى أيضا في أشكال التصدع والانحلال والنسف الذي يطال النظم الثقافية والروابط الاجتماعية والقيم الأخلاقية للجماعة البشرية، مما يجعل الفرد يشعر بالغرابة داخل بلده وبين أهله.
 وهكذا إذا كان الغريب، حسب كريستيفا، قابعا فينا ويسكننا من الداخل، وجب أن لا تكون علاقتنا بالغريب الآخر مبنية على الكراهية والعداوة والإقصاء والعنف، بل يجب أن تكون مبنية على الحب والتسامح والسلم والاعتراف المتبادل.
إن الأنا والغير مفهومان نسبيان من حيث أن الآخر هو غير بالنسبة إلي وأنا بدوري غير بالنسبة إليه. لذلك يجب أن يعترف الأنا للغير بغيريته ومغايرته وبحقه في الاختلاف. والجماعة البشرية، بما هي جماعة الغيار، تقوم على شرط أساسي هو اختلاف الذوات المكونة لها. وهذه هي أطروحة غيوم وبودريار اللذان يريان أنه يستحيل اختزال الغير إلى الأنا. وهذا أمر إيجابي لأن ذلك يؤدي إلى إحياء الفكر وإنعاشه من خلال البحث المستمر من أجل فك لغز الغير الذي تترك كل علاقة معه بقية من عدم الفهم، الشيء الذي يبدد كل أمل أو وهم في المعرفة المطلقة. هكذا فالغير يضع في أساس الأنا مبدأ نقص وعدم كفاية كما يقول غيوم وبودريار، ذلك أنه ما إن يطفو الغير إلى سطح الوجود بالنسبة إلى الأنا حتى يضطر هذا الأخير إلى الوقوف معترفا بنقصه لعجزه عن فهم الغير بشكل تام، ومعترفا بعدم كفايته نظرا لحاجته المستمرة إلى الغير.