‏إظهار الرسائل ذات التسميات منهجية الإنشاء الفلسفي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات منهجية الإنشاء الفلسفي. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 4 يونيو 2020

لحظة المناقشة في الكتابة الإنشائية الفلسفية؛ صيغة القولة المرفقة بسؤال


لحظة المناقشة في الكتابة الإنشائية
 صيغة القولة المرفقة بسؤال

بقلم: محمد الشبة

  تعتبر لحظة المناقشة لحظة أساسية في الكتابة الإنشائية الفلسفية، لأن الأفعال العقلية المرتبطة بها تشكل سمات أساسية وجوهرية تميز طبيعة التفكير الفلسفي، كتفكير يقوم على النقد والفحص والاختلاف والحجاج، والاستقلالية في التفكير والتجرؤ على استعمال العقل من أجل الخروج من الوصاية . وبالرغم من أن هذه الخصائص تنطبق على لحظة المناقشة في جميع الصيغ الثلاث الواردة في الامتحان الوطني في البكالوريا المغربية، وهي السؤال والقولة والنص، فإن هذا لا يمنع من أن لكل صيغة خصوصيات معينة يتعين البحث عنها. ومن هنا، يأتي بحثنا هذا ليسلط الضوء على ما يميز لحظة المناقشة في الكتابة الإنشائية الخاصة بصيغة القولة المرفقة بسؤال، وذلك من خلال تقديم قراءتنا الوصفية والنقدية لمجموعة من الوثائق الرسمية المعنية بالتنظير ووضع الإجراءات المتعلقة بالكتابة الفلسفية في سلك البكالوريا.
1- التوجيهات التربوية:
إذا ما حاولنا أن نقف في "التوجيهات التربوية والبرامج الخاصة بتدريس مادة الفلسفة بسلك التعليم الثانوي التأهيلي"(نونبر 2007)، المعبرة عن المنهاج الدراسي لمادة الفلسفة، على بعض المؤشرات التي تدل على أهمية فعل المناقشة وتشير إلى مختلف المعاني التي يتخذها، كفعل عقلي وأساسي يكون التلميذ مطالبا بإنجازه في الكتابة الإنشائية الفلسفية، فضلا عن ممارسته له داخل الفصل الدراسي، فإنه يمكن القول بأنه منذ بداية التقديم المتضمن في هذه "التوجيهات التربوية" تم التأكيد على أن الهدف من الفلسفة، كمادة مدرسية، هو مساعدة التلاميذ «على ممارسة التفكير النقدي الحر والمستقل والمسؤول»(1)، كما تمت الإشارة إلى أن «المنهاج يضع أمام التلميذ(ة) إمكانية تعلم وممارسة التفكير المستقل عبر السؤال.. والتحليل والنقد قبل القبول والإقرار، وتعلم وممارسة اتخاذ القرار بحرية واختيار، وتعلم.. الانعتاق من حجة السلطة.. وأيضا تعلم الشجاعة في استخدام العقل وفي التعبير عن الرأي المدعوم بحجج.»(2)
وانطلاقا من هنا، يتبين أن هذه "التوجيهات" تتضمن عدة علامات ومؤشرات لها علاقة مباشرة بالأفعال العقلية التي يتعين على التلميذ أن يمارسها أثناء لحظة المناقشة في الإنشاء الفلسفي. ومن أهمها: التفكير النقدي الحر والمستقل، والتجرؤ على استخدام العقل وطرح الأسئلة، والدفاع عن رأيه بحجج وأدلة، وعدم الاختباء وراء الفلاسفة أو أية سلطة معرفية أخرى. ومن هنا، فممارسة فعل المناقشة في الإنشاء يتطلب من التلميذ أن يتخذ مسافة نقدية حرة ومسؤولة تجاه أطروحة النص أو القولة أو أية أطروحة أخرى، وذلك بالعمل على تثمينها وتدعيمها أو نقدها ومعارضتها، معتمدا في ذلك على ممارسة التفكير الشخصي المرتكز على قناعات التلميذ الذاتية، والمدعومة بحجج مستمدة من حقول معرفية متنوعة.  وهذه الخاصية النقدية المميزة للتفكير الفلسفي هي التي تجعل المواقف الفلسفية مجرد حلول ممكنة، وليست حقائق جاهزة، ويكون التلميذ مطالبا بمحاورتها واتخاذ مسافة نقدية منها، كما أن عليه أن يوظفها كحجج ممكنة في المناقشة، وهو الأمر الذي يعني أن التلميذ هو من سيناقش أطروحة النص أو القولة وليس الفلاسفة!! فاستدعاء هؤلاء يتم داخل استراتيجية تفكيرية وحجاجية يقوم بها التلميذ نفسه، ويوظف في إنجازها حججا مستمدة من الواقع، كما يوظف تصورات لأعلام تنتمي إلى مجالات مختلفة فلسفية وغير فلسفية.
وقد تم التأكيد في "التوجيهات" على أحد المبادئ الأساسية التي يرتكز عليها تعليم الفلسفة، والذي له علاقة مباشرة بفعل المناقشة في الإنشاء الفلسفي، وهو المتعلق ب «تنمية الوعي النقدي والتفكير الحر والمستقل، وعلى التحرر من مختلف أشكال الفكر السلبي (الدوغمائية، التبعية الفكرية، التلقي السلبي للمعارف والآراء..)»(3) ولعل هذا يعني أهمية حضور الهاجس الإشكالي لدى التلميذ أثناء المناقشة؛ إذ عليه أن لا يركن ويطمئن بشكل كلي إلى أية فكرة أو أطروحة، بل يعمل على مساءلتها وتقليبها على كافة الأوجه والمستويات لاختبار وجاهتها وصلاحيتها، كما يدل على أن المناقشة ليست مجرد مراكمة للمعلومات والمواقف الفلسفية، باللجوء إلى منطق الحفظ والاستظهار، بل هي ترتيب لها وتشذيب لها واستثمار لها بشكل متناسب مع الاستراتيجية الحجاجية التي يعتمدها التلميذ في المناقشة.
وفي إطار استعراض الكفايات التي يستهدف منهاج مادة الفلسفة تنميتها لدى المتعلم، تمت الإشارة إلى مجموعة من الكفايات التي هي من صميم فعل المناقشة الفلسفية، وذلك من قبيل الاعتماد على النفس والاستقلال في التفكير «والتحكم الواعي في الاختيارات والقرارات.. وتقبل كلام الآخر على نحو يقظ ممحص وليس على نحو سلبي»(4) كما تم اعتبار أن أفعال الاستدلال والنقد والمقارنة والتماسك المنطقي، هي كفايات منهجية يروم تعليم الفلسفة تحقيقها لدى المتعلمين. وفي إطار الحديث عن الكفايات الثقافية، تمت الإشارة إلى أن التلميذ مطالب، أثناء حواراته ومناقشاته ودفاعه عن أفكاره، بضرورة «استدعاء معارف متنوعة رافدة للتفكير الفلسفي (أدبية، فنية، علمية، سياسية...)»(5)، وهذا يؤكد على ما أشرنا إليه سابقا من أن على التلميذ أن يجند معارف كثيرة ومتنوعة أثناء لحظة المناقشة في الكتابة الإنشائية الفلسفية، وما المواقف الفلسفية الموجودة في الملخصات سوى واحدة من هذه المعارف التي على التلميذ استثمارها في المناقشة. وهذا يعني أن عليه أن يحسن استخدامها، وأن يمارس عليها "سياسة لي العنق" الكفيلة بجعلها تتلاءم مع استراتيجية المناقشة التي ينهجها، ومع طبيعة الإشكالية التي تتم مناقشتها في الإنشاء الفلسفي.
وإذا كانت لحظة المناقشة في الإنشاء هي فرصة أمام التلميذ لممارسة الحجاج الفلسفي، وذلك بمحاكمة الأطروحات الفلسفية واتخاذ موقف متحرر منها، وبناء الرأي الخاص بالاعتماد على حجج قوية ومتماسكة، فإننا نجد "التوجيهات" تشير إلى مجموعة من العمليات العقلية والتفكيرية التي يمكن أن يتمظهر من خلالها الحجاج كخاصية أساسية من خصائص التفكير الفلسفي. وتتمثل هذه العمليات من خلال «توظيف الأطروحات الفلسفية بالمقارنة بينها أو دحضها أو إثباتها»، و«استحضار الأمثلة القابلة أن تعمم والحالات الإشكالية أثناء المناقشة»، و«الاستشهاد بأقوال فلسفية أو علمية أو أدبية، ذات سند.»(6) وهاهنا تأكيد على أن لحظة المناقشة هي لحظة تجييش لعدة موارد، مستمدة من حقول معرفية مختلفة، يمكن استخدامها كحجج لتأكيد أو تفنيد الأطروحات الفلسفية، مع خلق مقارنة واعية بينها والدخول معها في حوار عقلي مثمر.
والآن، يمكننا التساؤل: إلى أي حد تم تجسيد هذه التوجيهات المتعلقة بفعل المناقشة، وما يرتبط بها من آليات تفكيرية وحجاجية، والعمل على أجرأتها في باقي الوثائق التربوية الأخرى؟
سنحاول الإجابة عن هذا التساؤل من خ لال تفحص ما يوجد في الأطر المرجعية لمواضيع الامتحان الوطني الموحد للبكالوريا في مادة الفلسفة، وأيضا ما يوجد في المذكرة رقم: 04-142 الخاصة بالتقويم التربوي بالسلك الثانوي التأهيلي لمادة الفلسفة، وأخيرا تقديم قراءتنا للمقتضيات المتعلقة بلحظة المناقشة في دلائل التصحيح وعناصر الإجابة المتعلقة بالمواضيع الاختبارية للامتحان الوطني الموحد للبكالوريا، وذلك بالتركيز على ما تعلق منها بصيغة القولة المرفقة بسؤال.
2- الأطر المرجعية لمواضيع الامتحان الوطني الموحد للبكالوريا:
إذا نظرنا في الوثيقة المتعلقة بالأطر المرجعية لمواضيع الامتحان الوطني الموحد للبكالوريا في مادة الفلسفة، والصادرة في المذكرة رقم 093/14 في 25 يونيو 2014، فإننا نجد أن الأمثلة المستمدة من المعيش اليومي ومن التجارب المشتركة بين الناس، وأيضا الموجودة في تاريخ الفلسفة وفي مجالات أخرى، وأيضا المعارف الأدبية والفنية والعلمية، تشكل جزءا من المضامين الفلسفية. ولعل في هذا إشارة واضحة إلى إمكانية استثمار هذه المضامين من طرف التلاميذ في لحظة المناقشة، سواء داخل الفصل الدراسي أو في الإنشاء الفلسفي. وهذا يعني أن فعل المناقشة في الإنشاء لا يختزل في تقديم المواقف الفلسفية الموجودة في الملخصات أو في المقرر الدراسي، بل يتعين استثمار مضامين متنوعة لمناقشة الإشكال المطروح، ومن أجل اتخاذ موقف نقدي من الأطروحات الفلسفية التي تجيب عنه.
وفي ما يخص الكفاية المنهجية المتعلقة بالحجاج، باعتبارها كفاية نوعية تتجسد بشكل أكثر في لحظة المناقشة، تمت الإشارة في "الإطار المرجعي" إلى مجموعة من المؤشرات التي تدل عليه؛ من أبرزها «استخدام مختلف أساليب الإقناع،الاستدلال، التماسك المنطقي، توظيف الأمثلة والاستعارة والمقارنة والمقابلة والاستشهادات الفلسفية... حسب السياق.»(7) وهذا يعني أن فعل المناقشة هو فعل عقلي يستخدم حججا متنوعة بعضها يتخذ صبغة منطقية واستدلالية، وبعضها الآخر يتخذ طابعا بلاغيا باستخدام الأمثلة والتشبيهات والمقارنات..، كما يستند فعل المناقشة أيضا على المعارف والأقوال الفلسفية كحجج إضافية للإقناع. وهذا يعني أيضا على أن لحظة المناقشة، في الكتابة الإنشائية الفلسفية، هي لحظة تجسيد التفكير الذاتي للتلميذ في ما يخص القضية المطروحة للنقاش، مما يعني أن كل المضامين والمعارف والحجج هي فقط بهدف تدعيم وتعزيز الموقف الخاص الذي يسعى التلميذ إلى تجسيده والمنافحة عنه.
كما تمت الإشارة في الكفايات المتعلقة بالقيم إلى مؤشرات ترتبط ارتباطا وثيقا وجوهريا بفعل المناقشة الفلسفية، وهي المؤشرات الخاصة بكفاية التفكير العقلاني المنفتح وكفاية التباعد النقدي من المواقف، وتتمثل في التماسك المنطقي بين الأفكار، والانفتاح على المعارف الإنسانية المختلفة، وخلق مواجهة بين الأطروحات الفلسفية، وإضفاء الطابع النسبي عليها وعلى كل الأفكار كيفما كان نوعها. ويستهدف كل هذا توريط التلميذ في النقاش، وتشجيعه على التجرؤ على استخدام العقل، وإبراز تفكيره الذاتي ومجهوده الشخصي أثناء المناقشة. ولعل هذا هو ما جعل الأطر المرجعية تخصص نسبة 25% لقدرة أو مهارة المناقشة في الكتابة الفلسفية، وهي النسبة الأعلى مناصفة مع قدرة التحليل، وذلك من حيث أهميتها مقارنة مع باقي القدرات والمهارات الموظفة في الكتابة الإنشائية الفلسفية.
وقد تمت الإشارة في "الأطر المرجعية لمواضيع الامتحان الوطني الموحد للبكالوريا: مادة الفلسفة"، والمعبر عنها في المذكرة 159 الصادرة في 27 دجنبر 2007، إلى أن القولة تذيل «بسؤال إشكالي أو مطلب مزدوج يحيل في مستواه الأول على مضمون القولة، وفي مستواه الثاني على قيمتها أو أبعادها.»(8) وهذا يعني أن المناقشة تنصب على أطروحة القولة، وذلك على ضوء المطلب الموجود في السؤال المرفق بها. وقد تم التمييز في هذه المذكرة بين مجموعة من الأسئلة المرفقة بالقولة، وذلك بحسب المسالك والشعب؛ ففي ما يخص مسالك الشعب العلمية والفنية وشعبة التعليم الأصيل، تمت الإشارة إلى أن السؤال المرفق بالقولة هو سؤال ذو مطلبين يتعلق أحدهما بشرح مضمون القولة أو توضيحها، ويتعلق الثاني بتبيان قيمتها أو حدودها أو أبعادها. أما مسلك الآداب، فيتم اعتماد سؤال مركب من مطلبين؛ أحدهما يطالب التلميذ بتوضيح مضمون القولة، والثاني يطالبه بتبيان أبعادها أو بالإجابة عن سؤال إشكالي مفتوح. أما في مسلك العلوم الإنسانية، فتذيل القولة بسؤال إشكالي مفتوح، يتعين الإجابة عنه انطلاقا من القولة (انظر الصفحة 9 من المذكرة 159 المشار إليها سابقا).
وقد تم تحيين المذكرة 159 الصادرة في 2007 بمذكرة أخرى صادرة 25 يونيو 2014، حيث تم الإشارة فيها إلى أن القولة ترفق «بسؤال قد يكون موجها لآفاق تفكير المترشح، أو يحدد بشكل دقيق مجال أو مجالات القولة، أو يستشكل بوضوح المجال النظري للقولة، كما قد ترفق بمطلب مزدوج يحيل في مستواه الأول إلى مضمون القولة، وفي مستواه الثاني إلى قيمتها أو أبعادها.»(9) وهذا يعني أن المناقشة تنصب على أطروحة القولة، وذلك على ضوء المطلب الموجود في السؤال المرفق بها. وقد تم التمييز بين مجموعة من الأسئلة المرفقة بالقولة، وذلك بحسب المسالك والشعب؛ ففي ما يخص مسالك الشعب العلمية والفنية وشعبة التعليم الأصيل، تمت الإشارة إلى أن السؤال المرفق بالقولة هو سؤال يتخذ «صيغة استفهامية ترافق القولة أو مطلب يحدد المنتظر صراحة.» أما في مسلك الآداب، فيتم «اعتماد سؤال إشكالي أو مطلب يستهدفان الاشتغال على القولة.»(10) في حين يتم «اعتماد سؤال إشكالي يستهدف الاشتغال على القولة»(11) بالنسبة لمسلك العلوم الإنسانية.
وما يمكن ملاحظته هنا، ومن خلال التأمل في المواضيع الاختبارية لمادة الفلسفة في الامتحانات الوطنية منذ 2007 إلى الآن، هو أن لحظة المناقشة في صيغة القولة المرفقة بسؤال تتخذ أشكالا متعددة بحسب ما هو مطلوب في السؤال؛ فالأمر يتعلق إما بإبراز قيمة القولة أو حدودها أو أبعادها، كما يتعلق بالإجابة عن سؤال بعينه تكون أطروحة القولة هي إحدى الإجابات الممكنة عنه. وبطبيعة الحال، يتعين على التلميذ أن ينتبه جيدا إلى أداة الاستفهام في السؤال المرفق بالقولة، لأن هذه الأداة هي التي ستحدد ما هو المطلوب بالضبط من التلميذ أثناء مناقشة أطروحة القولة. كما يتعين عليه أيضا أن يدرك جيدا ما المقصود بتبيان قيمة القولة أو حدودها أو أبعادها، لأن هذا الإدراك الواعي والجيد هو الذي سيحدد المسار الحقيقي والفعال للمناقشة. وللأسف، فنحن لا نعثر في الأطر المرجعية ولا في التوجيهات التربوية على شرح دقيق ومفصل للمقصود بالقيمة أو الحدود أو الأبعاد كمطالب أساسية من أجل مناقشة أطروحة القولة. كما لا نجد مثل هذا الشرح في المذكرة رقم: 04-142 المتعلقة بالتقويم في مادة الفلسفة، والصادرة في 16 نونبر 2007،  والتي تم الاكتفاء فيها بالقول إنه يتعين «مناقشة مضمون القولة في ضوء أطروحات وأفكار أخرى.»(12) أما الكيفية التي سيتم اعتمادها في المناقشة والمسار الذي ستقطعه، فبقيا غامضين، ويبدو أنهما تركا لاجتهاد المدرسين والتلاميذ معا.
3- نماذج من عناصر الإجابة في دلائل التصحيح الرسمية:
سنعمل هنا على النظر في عناصر الإجابة الرسمية المقدمة بصدد بعض المواضيع الاختبارية المتعلقة بصيغة القولة المرفقة بسؤال، وذلك لكي نرى كيف تتصور الجهات الرسمية فعل المناقشة في الإنشاء الفلسفي المنصب حول القولة الفلسفية. وسنكتفي بأربعة نماذج فقط، على اعتبار أن النماذج الأخرى مشابهة لها.
وأول نموذج سنقف عنده هو المتعلق بالقولة المرفقة بسؤال ذي المطلبين؛ أحدهما يطالبنا بتوضيح مضمون القولة، والثاني بتبيان قيمتها. وهنا نؤكد على أن من بين معاني مناقشة القولة هو توضيح قيمتها. ولذلك، نجد أنفسنا بصدد طرح السؤال التالي: ما هو الفهم الذي تقدمه عناصر الإجابة الرسمية لمعنى تبيان قيمة القولة، وهو ما يعني بطبيعة الحال مناقشتها؟ نطرح هذا السؤال، لأنه على ضوء المعنى الذي نقدمه لمفهوم "القيمة" ستتحدد استراتيجية مناقشة أطروحة القولة. وسنتخذ عناصر الإجابة المقدمة رسميا للقولة الموجودة في الامتحان الوطني الموحد للبكالوريا، مسلك الآداب، الدورة العادية 2013، كنموذج للإجابة عن السؤال الذي طرحناه.
جاءت هذه القولة كما يلي:
«القوة المستخدمة طبقا للقانون أقل ضررا من القوة التي تحركها الأهواء.»
أوضح (ي) مضمون القولة وبين (ي) قيمتها.
فما الذي ورد في عناصر الإجابة على مستوى مناقشة هذه القولة؟
أول مفارقة نصادفها في عناصر الإجابة هو القول بأنه «يمكن أن يناقش المترشح (ة) الأطروحة الكامنة في القولة بإبراز قيمتها ومحدوديتها، وذلك من خلال العناصر الآتية:..»(13) وتكمن هذه المفارقة في الخلط الواقع هنا بين مصطلحي "القيمة" و"المحدودية"، مما يعني أن دليل التصحيح لا يميز بينهما. فهل المترشح إذن يكون مطالبا في المناقشة بنفس الشيء حينما يطلب منه تبيان قيمة القولة، وحينما يطلب منه مرة أخرى تبيان حدودها؟
يبدو أن عدم تمييز "دليل التصحيح" بينهما، يعني أن على مناقشتنا للقولة أن تتضمن التثمين والنقد معا، وليس التثمين وحده باعتبار أنه الأكثر دلالة على مفهوم القيمة. وبالفعل فقد وردت في عناصر الإجابة إشارات إلى أفكار تميل إلى تثمين القولة مثل "ميل السلطة الطبيعي إلى العنف ضد الفرد"، وأفكار أخرى تميل إلى إبراز محدوديتها مثل "حق الفرد مقاومة السلطة المتسلطة، باعتبارها قد تكون أداة للهيمنة الطبقية."(14)
ولكن من وجهة نظر مخالفة لدليل التصحيح الرسمي، يمكن للبعض أن يفهم أن الأمر في المناقشة منحصر فقط في تبيان قيمة القولة، وليس في إبراز محدوديتها. وإذا كانت القيمة تعني ما هو جدير بالتقدير والاهتمام، فإن مناقشة القولة ستتجه نحو تبيان أهميتها وإبراز النتائج الإيجابية المترتبة عنها، مادام أن عنف الدولة، سواء كانت استبدادية أم ديمقراطية، هو أقل ضررا من العنف المدمر الصادر عن الأهواء والغرائز الطبيعية.
لكن هناك، من سيذهب في اتجاه ما ورد في دليل التصحيح، وسيعتبر أن مطالبة المترشح بتبيان أطروحة القولة يعني أيضا نقدها، وذلك لاعتبارين؛ الأول هو أن كل أطروحة في الفلسفة لا تسلم من النقد والمراجعة وتقليبها على كافة الأوجه للكشف عن ثغرات موجودة فيها، والثاني أن قيمة الشيء هي قيمة نسبية تختلف باختلاف الرؤى والمنظورات.
ونحن لا نملك أمام هذا الاختلاف إلا أن نقف في منزلة بين المنزلتين؛ وتتمثل في أن تبيان قيمة أطروحة القولة يعني بالأساس إبراز وجاهتها وأهميتها والنتائج الإيجابية المترتبة عنها، وهذا ما ينبغي للمترشح أن يخصص له الحيز الأكبر في المناقشة، ولكن يمكنه أيضا أن يخصص حيزا ثانيا صغيرا للتساؤل حول درجة أهمية أطروحة القولة، وإمكانية الاختلاف معها في بعض الأوجه.
ويمكن القول، دون الرجوع إلى أي نموذج اختباري، أن إبراز حدود أطروحة القولة أثناء المناقشة هو صورة معكوسة لإبراز قيمتها. ولذلك، فتبيان حدود الأطروحة يعني ممارسة النقد عليها وإبراز تهافتها وضعفها، وذلك بالنظر إلى النتائج السلبية المترتبة عنها أو بالنظر إليها من زوايا مغايرة أو معارضتها بأطروحات أخرى، أو بتبيان ضعف حججها واستدلالاتها..الخ. ويمكن للمترشح أن يقف عند هذا الحد، أما إذا أضاف فقرة يبرز فيها جانبا من القيمة أو الأهمية التي تتمثل في أطروحة القولة، فلا بأس في ذلك، على أساس أن يكون مستوى النقد قد احتل الجزء الأكبر في المناقشة. ولعل الأمر في ذلك متروك إلى قناعات التلميذ واختياراته، مادامت التوجيهات التربوية نفسها قد أكدت، كما أسلفنا سابقا، على أن من بين أهداف المنهاج الجديد للفلسفة هو تعلم التلميذ لممارسة التفكير الحر والمسؤول، وتعلم الشجاعة في استخدام العقل وفي التعبير عن الرأي المدعوم بحجج.
وسننظر الآن في نموذج اختباري آخر يتعلق بسؤال ذي مطلبين، يدعونا مطلبه الثاني إلى تبيان أبعاد القولة. ويتعلق الأمر بالنموذج التالي، والذي ورد في الامتحان الوطني الموحد للبكالوريا، مسالك الشعب العلمية والتقنية والأصيلة، الدورة العادية 2010:
« لكي يكون المجرب جديرا بهذه الصفة، عليه أن يكون منظرا وممارسا في الوقت نفسه... فاليد الماهرة التي لا يوجهها عقل هي أداة عمياء، والعقل دون اليد التي تنجز يظل عاجزا.»
اشرح مضمون القولة وبين أبعادها
وبين أن مناقشة القولة هنا، ستنصب حول تبيان أبعاد الأطروحة المتضمنة فيها. وهذا ما يدفعنا إلى التساؤل: ما المقصود بأبعاد القولة؟ حينما نتحدث عن أبعاد فكرة ما، فإننا نقصد دلالاتها ومعانيها البعيدة، وأيضا مختلف الجوانب أو المستويات التي تتعلق بها أو تحيل إليها، كالأبعاد الذاتية والاجتماعية والثقافية والتاريخية، أو الجوانب الاقتصادية والسياسية والاقتصادية..الخ. ولذلك، يبدو أن تبيان أبعاد أطروحة القولة هو تقليبها على أوجه متعددة من أجل اختبار مدى صحتها وصلاحيتها ومحدوديتها. وهنا قد نكون أمام عدة احتمالات ممكنة؛ فقد يبرز التلميذ صلاحية وقيمة أطروحة القولة في هذا المستوى أو الجانب، ويظهر محدوديتها في مستوى أو جانب آخر. كما قد يبرهن على قيمتها وأهميتها على كافة الأبعاد والمستويات، وبالعكس قد يبرز ضعفها وحدودها على كافة الجوانب والأبعاد، وذلك بحسب قناعات التلميذ وطبيعة الحجج التي سيستخدمها من أجل تبرير موقفه المساند أو المعارض للأطروحة المتضمنة في القولة. وواضح أن موقف التلميذ هنا سيتأرجح بين التثمين أو النقد، أو المزاوجة بينهما. وهذا ما نلمسه في عناصر الإجابة الرسمية المتعلقة بهذه القولة، إذ نجد فيها أنه «يمكن للمترشح أن يناقش أطروحة القولة بالانفتاح على ما يؤيدها أو يعارضها من أطروحات فلسفية.»(15) وهذا ما يعني أن تحديد "الأبعاد" يتضمن التثمين والنقد معا. 
وإذا طبقنا ما نقوله على النموذج الذي اخترناه، فإن موقف التلميذ إما أن يوافق الأطروحة المتضمنة في القولة، والتي ترى أن إنتاج النظرية العلمية يتطلب التكامل بين العقل والتجربة، وذلك عن طريق تبيان دلالات وأهمية هذا التكامل في حقول معرفية مختلفة، وأثناء خطوات المنهج العلمي نفسه. كما قد يختار التلميذ معارضة هذه الأطروحة، بأن يبين أن هناك مجالات علمية نظرية تكون النظرية العلمية فيها إبداعا عقليا خالصا، ولا تتطلب أي تدخل للتجربة، أو يبين العكس بأن هناك مجالات علمية تكون التجربة فيها هي منطلق بناء النظرية ومعيار صحتها، ويكون للعقل فيها دورا ثانويا وباهتا. كما يمكن أن يزاوج التلميذ بين التثمين والنقد، فيبين أن التكامل ضروري بين العقل والتجربة في حقول معرفية معينة، ولكنه غير ضروري في بعض الجوانب أو الحقول المعرفية الأخرى.
ونأتي الآن إلى الصيغة الخاصة بمسلك العلوم الإنسانية، وهي التي تكون فيها القولة مرفقة بسؤال مفتوح، أو بالانطلاق من القولة والإجابة عن سؤال مفتوح. وسنتخذ كمثال على ذلك النموذجين التاليين:
* الأول: (الامتحان الوطني للبكالوريا، مسلك العلوم الإنسانية، الدورة العادية 2013م)
« ينبغي أن نكون عبيدا للقوانين كي نكون أحرارا.»
بين (ي)، انطلاقا من تحليلك للقولة، هل الحرية خضوع للقوانين أم تجاوز لها؟
* الثاني (الامتحان الوطني للبكالوريا، مسلك العلوم الإنسانية، الدورة العادية 2011م):
« إن المساواة واللامساواة التامتين، هما ظالمتان بين أفراد ليسوا متساوين عموما.»
كيف للمساواة واللامساواة التامتين أن تناقضا العدالة؟
بخصوص النموذج الأول المرفق بسؤال الانطلاق، نجده يطالبنا أولا بتحليل القولة واستخراج أطروحتها، وبعد ذلك الإجابة عن سؤال مفتوح تعتبر أطروحة القولة هي إحدى الإجابات الممكنة عنه. وهكذا سيكون علينا أن نجيب عن السؤال انطلاقا مما تطالبنا به أداة استفهامه، لأن استراتيجية المناقشة ستختلف بحسب أداة الاستفهام في السؤال؛ ومن أشهر أدوات الاستفهام الواردة في الامتحانات الوطنية نجد "هل" التي يراد منها طلب التصديق، وذلك من خلال الإجابة بنعم أو لا، مما يجعلنا أمام جوابين أو أطروحتين مختلفتين، مع إمكانية وجود أطروحة ثالثة توفق بينهما أو تتجاوزهما. وهكذا سيكون علينا في النموذج الأول أن نقدم أطروحة القولة كجواب أول عن السؤال، وهي الأطروحة التي تقول بأن الحرية تكمن في الامتثال للقوانين والخضوع لها، ثم بعد ذلك نناقشها بأطروحة أخرى معارضة ترى أن الخضوع للقوانين يكون أحيانا متنافيا مع الحرية، إذا كانت تلك القوانين ديكتاتورية أو ظالمة. ويمكن للتلميذ أن يتبنى إحدى الأطروحتين أو يتجاوزهما معا ويركب بينهما، المهم هو أن يستخدم في ذلك حججا متماسكة ومناسبة.
غير أننا نجد في الأسئلة المذيلة للقولة أدوات استفهام أخرى، مثل: كيف، بأي معنى، لم، من أين..الخ. وبطبيعة الحال، فمسار المناقشة سيتحدد ويختلف باختلاف أدوات الاستفهام نفسها؛ فأداة الاستفهام "بأي معنى"، مثلا، يراد منها طلب التفسير والتوضيح، بحيث نكون مطالبين بتوضيح أو تفسير الأطروحة المتضمنة في السؤال، أما أداة الاستفهام "لم"،  فهي تطالبنا بالبحث عن العلل والأسباب المتعلقة بالأطروحة المتضمنة في السؤال، وأداة الاستفهام "من أين" تطالبنا بالبحث عن الأسس أو المنابع التي تستند إليها فكرة ما، في حين أن أداة الاستفهام "كيف"، وهي الواردة في النموذج الثاني أعلاه، تستدعي منا التوضيح والتفسير شأنها شأن أداة الاستفهام "بأي معنى".
ومن هنا سيكون علينا في النموذج الثاني أن نبين كيف أن العدالة لا تكمن في المساواة التامة بين الناس، ونقدم الحجج التي تبرر ذلك، ثم نبين أنها لا تكمن أيضا في اللامساواة التامة بين الأفراد، ونقدم المبررات الكفيلة بتدعيم ذلك. وهنا سنجد أنفسنا بصدد تدعيم وتثمين أطروحة القولة التي تتضمن إجابة ممكنة عن السؤال، وبعد ذلك يمكننا الاعتراض عليها من بعض الأوجه؛ بأن نبين مثلا بأن المساواة التامة أمام الدستور والقانون هي شرط ضروري للحديث عن العدالة القانونية، وبأن اللامساواة من الناحية الاقتصادية هي أيضا شرط ضروري لتحقيق العدالة كإنصاف، مادام الناس غير متساوين في القدرات والكفاءات. وهكذا تتطلب المناقشة هنا تقديم عدة توضيحات بصدد علاقة العدالة بالمساواة واللامساواة، وربط ذلك بالأشكال المختلفة للعدالة.
وعلى العموم، يمكن القول بأن لحظة المناقشة في الكتابة الإنشائية هي لحظة إبراز التلميذ لمجهوده وموقفه وتفكيره الذاتي، وذلك باتخاذ مسافة معينة من الأطروحات الفلسفية والعمل على تثمينها أو نقدها، مستخدما في ذلك أدلة وبراهين مستمدة من الفلسفة أو من حقول معرفية متعددة. ولا تخرج لحظة المناقشة  في صيغة القولة عن هذا الإطار العام، إلا أن لها خصوصيتها واستراتيجيتها المرتبطة بطبيعة السؤال المرفق بها، والذي يتعين معرفة مطلبه بشكل جيد ودقيق، والوقوف عند مفاهيمه وأداة استفهامه، لكي تكون مناقشتنا لأطروحة القولة مناقشة سليمة ومتماسكة وتسير في الاتجاه الصحيح.
 الهوامش:
1- كتاب "التوجيهات التربوية والبرامج الخاصة بتدريس مادة الفلسفة بسلك التعليم الثانوي التأهيلي"، المملكة المغربية وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي، كتابة الدولة المكلفة بالتعليم المدرسي، نونبر 2007، ص:3.
2- نفس المصدر والصفحة.
3- نفسه، ص:5.
4- نفسه، ص:8.
5- نفسه، ص:9.
6- نفسه، ص:11.
7- الأطر المرجعية لاختبارات الامتحان الوطني الموحد للبكالوريا 2014، الإطار المرجعي لمادة الفلسفة جميع المسالك، المملكة المغربية وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني، ص:2.
8- المذكرة رقم 159 المتعلقة بالأطر المرجعية لمواضيع الامتحان الوطني الموحد للبكالوريا: مادة الفلسفة"، الصادرة في 27 دجنبر 2007، المملكة المغربية وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي، ص:8.
9- الأطر المرجعية لاختبارات الامتحان الوطني الموحد للبكالوريا 2014، الإطار المرجعي لمادة الفلسفة جميع المسالك، المملكة المغربية وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني، ص:5.
10- نفسه، ص:6.
11- نفس المصدر والصفحة.
12- المذكرة رقم 04-142 الصادرة في 16 نونبر 2007، الخاصة بالتقويم التربوي بالسلك الثانوي التأهيلي لمادة الفلسفة، المملكة المغربية وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي، ص:7.
13- عناصر الإجابة المتعلقة بالامتحان الوطني الموحد في مادة الفلسفة، الدورة العادية 2013، مسلك الآداب، ص:3.
14- انظر نفس المصدر والصفحة.
15- عناصر الإجابة المتعلقة بالامتحان الوطني الموحد في مادة الفلسفة، الدورة العادية 2010، مسالك الشعب العلمية والتقنية والأصيلة، ص:2.
  



    

  

الاثنين، 25 ديسمبر 2017

التداخل الحاصل بين التحليل والمناقشة في الإنشاء المتعلق بالسؤال الفلسفي

صعوبة الفصل بين لحظتي التحليل والمناقشة
في صيغة السؤال الفلسفي المفتوح

بقلم محمد الشبة


إذا كنا نقوم بعملية تحليل النص أو القولة أولا، ثم ننتقل بعد ذلك إلى لحظة المناقشة ثانيا، فهل يمكن القول بنفس الشيء في الإنشاء الفلسفي المتعلق بالسؤال الإشكالي المفتوح؟ هل توجد فيه لحظة أو خطوة نقوم فيها بتحليل مكونات السؤال، وبعد ذلك تأتي لحظة أو خطوة ثانية نخصصها للمناقشة، أم أن تحليل السؤال لا ينفصل عن مناقشته؟ وماذا نناقش أصلا حينما يتعلق الأمر بصيغة السؤال المفتوح؟ وما هي طبيعة المناقشة الممكنة التي يمكن للتلميذ أن يقوم بها في هذا الإطار بالذات؟ ولماذا يتعذر، بخلاف النص والقولة، تحليل السؤال أولا ثم مناقشته ثانيا؟ لماذا يوجد بينهما تداخل وتشابك عوض أن يتم إنجازهما على نحو متمايز ومنفصل؟ وهل يمكن أن نحلل عناصر السؤال، وهي مفاهيمه وروابطه المنطقية وأداة استفهامه، دون أن نجد أنفسنا نمارس فعل المناقشة بما يعنيه من خلق جدال ومقارنة بين مختلف الأفكار والتصورات والأطروحات المتعارضة أو المتشابهة أو المتمايزة؟ وهل يمكن أن نعتبر أن تقديم الأطروحة الأولى الممكنة للإجابة عن السؤال الإشكالي هو أمر يتم بموجبه القيام بعملية التحليل، بينما تقديم الأطروحة أو الأطروحات الأخرى التي تجيب عن نفس السؤال هو أمر يتعلق بعملية المناقشة؟ أو ليس استخراج هذه الأطروحات الأخيرة والكشف عنها لا يكون ممكنا إلا انطلاقا من القيام بعملية التحليل نفسها؟ أولسنا هنا أمام صعوبة فصل بين فعلي التحليل والمناقشة، في صيغة السؤال المفتوح، وأنه يوجد بينهما اتصال وليس انفصالا؟
أول ما ينبغي الإشارة إليه هنا هو ضرورة الانتباه إلى أداة الاستفهام الواردة في السؤال، لأن هذه الأداة هي التي تحدد مطلب السؤال وترسم للتلميذ مسار تحليله ومناقشته. وهكذا، فنحن نجد في الامتحانات الوطنية الموحدة للبكالوريا بالمغرب أدوات استفهام مختلفة ومتنوعة، من أهمها ما يلي: هل، بأي معنى، إلى أي حد، لم، من أين، ما، أي...الخ. وبديهي أن مطالب السؤال ستختلف بحسب نوعية أداة الاستفهام الواردة فيه.

* أداة الاستفهام "هل":

ترد أداة الاستفهام "هل" في معظم الامتحانات الوطنية، وهي أداة استفهامية يراد منها طلب التصديق، وذلك من خلال الإجابة بنعم أو لا، مما يجعلنا أمام جوابين أو أطروحتين مختلفتين، مع إمكانية وجود أطروحة ثالثة توفق بينهما أو تتجاوزهما.
وهكذا سيكون علينا أن نحلل، في موضوعنا الإنشائي، مفاهيم السؤال ومكوناته الأساسية، وذلك من خلال الحفر في دلالات المفاهيم وتحديد العلاقات الموجودة بينها، مما من شأنه أن يجعلنا نقف عند رهاناته ومقاصده. وهذا التحليل هو الذي سيقودنا مباشرة إلى استخلاص الأطروحة الأولى الممكنة للجواب عنه، وبعد ذلك سيكون علينا أن نناقشها بتقديم أطروحة ثانية مختلفة أو متعارضة معها. لكن ما ينبغي التأكيد عليه هنا هو أن التوصل إلى الأطروحة الأولى لا يكون إلا بممارسة أفعال التحليل المنصبة على السؤال، كما أن الانتقال إلى تقديم أطروحة ثانية مغايرة لا يمكنه أن يكون إلا من خلال تحليل آخر لعناصر السؤال، بحيث نقوم بتحليل مغاير أو مضاد يرصد جوانب مختلفة أو يكشف عن آفاق أخرى، من شأنها أن تجعلنا نسائل الأطروحة الأولى ونتجاوزها إلى تقديم أطروحة أخرى ثانية، يسمح بها التحليل الذي يقوم به التلميذ لمفاهيم السؤال وموجهاته الأساسية.
وقد يسمح تحليل ثالث، لنفس تلك العناصر، بأن يجعلنا نتوصل إلى أطروحة ثالثة تتجاوز الأطروحتين السابقتين أو توفق بينها. وهكذا دواليك؛ مما يعني أن تعدد طرق التحليل ورصدها لجوانب مختلف في المكونات الأساسية للمفاهيم، كتحديد دلالاتها أو الكشف عما تستدعيه من معاني مختلفة أو ما تستبعده من دلالات مغايرة أو متناقضة أو مختلفة، هو ما يجعلنا نستكشف مختلف الأطروحات الممكنة للإجابة عن السؤال. وهذا ما يجعلنا نؤكد على أن عملية التحليل المتعلقة بمكونات السؤال، لا تنفصل عن عملية "المناقشة"؛ بحيث أننا نجد أنفسنا نزاوج أثناء الكتابة الإنشائية المتعلقة بالسؤال بين أفعال التحليل وأفعال المناقشة، أي أننا نحلل السؤال ثم نتوصل إلى أطروحة أولى تجيب عنه، ثم نعود ونقوم بتحليل "مضاد" أو مغاير فيؤدي بنا إلى أطروحة ثانية، ثم نحلل من جديد فنصل إلى تحديد أطروحة ثالثة متجاوزة للأطروحتين السابقتين. وهذا ما يعني أنه لا توجد في السؤال الإشكالي المفتوح، كما هو الشأن في النص والقولة، لحظتين "منفصلتين" إحداهما نخصصها للتحليل والأخرى للمناقشة، بل إننا ندمج بين فعلي التحليل والمناقشة، ونجعل أولهما يفضي إلى الثانية.
 وما نقصده بفعل "المناقشة" هنا، هو تلك اللحظة التي نأتي فيها بأطروحة أو أكثر نناقش بها الأطروحة الأولى، والتي توصلنا إليها من خلال تحليل السؤال. ولهذا فنحن نسعى إلى التأكيد؛ على أنه مثلما أننا كشفنا عن الأطروحة الأولى عن طريق تحليل عناصر السؤال، فإن استدعاء أطروحة ثانية أو ثالثة لمناقشتها لا يكون بدون الرجوع إلى عناصر السؤال ومكوناته وتحليلها من جديد. وهذا ما يعني أن التحليل والمناقشة هما فعلان عقليان متداخلان في الموضوع الإنشائي المتعلق بصيغة السؤال؛ إذ أن تحليل مكونات السؤال هو الذي يفضي بنا إلى مناقشة الأطروحة الأولى التي استخرجناها كجواب عنه، وذلك عن طريق مقارعتها بأطروحات أخرى مغايرة لها.
ومن هنا، يجد التلميذ نفسه مضطرا إلى القيام دوما بإعادة تحليل عناصر السؤال، من أجل الكشف عن جوانب وأبعاد ورهانات أخرى متضمنة فيه، وهذا النوع من التحليل الذي يتخذ أشكالا متنوعة هو الذي من شأنه أن يمنح للإنشاء الفلسفي طابعه التفكيري والتوليدي الذي يجب أن يتميز به، كما من شأنه أن يجعله يتخذ طابعا عقليا وحجاجيا مترابطا ومتماسكا. وبدون المزاوجة بين التحليل والمناقشة، فإن التلميذ سينزلق ولا شك إلى منطق الاستظهار ومراكمة المواقف الفلسفية الموجودة في الملخص، دون أن يبرهن على امتلاكه لقدرات الحفر في المفاهيم والوقوف عند المسلمات والرهانات الكامنة في السؤال، والتي لا تكون إلا بواسطة فعل التحليل الذي يمثل شرطا ضروريا وأساسيا لجودة الإنشاء الفلسفي.

* أداة الاستفهام "بأي معنى":

 أما أداة الاستفهام "بأي معنى"، فيراد منها طلب التفسير والتوضيح والتصور، بحيث نكون مطالبين بتوضيح أو تفسير أطروحة ما متضمنة في السؤال. وكمثال على ذلك:
-         بأي معنى يلغي القانون القوة ويستدعيها في الآن ذاته؟ (الامتحان الوطني للدورة الاستدراكية 2012، مسلك الآداب)
 فنحن نجد هنا أن السؤال يطالبنا بأن نبين "كيف" أن القانون الذي جاءت به الدولة يلغي العنف غير المشروع الذي كان سائدا قبلها، ولكن الدولة مع ذلك تضطر إلى استخدام عنف يمكن القول عنه أنه عنف قانوني ومشروع. وهكذا سيكون علينا أثناء العرض أن نشرح ونوضح الأطروحة المتضمنة في السؤال، وهذا الشرح لا يكون ممكنا بطبيعة الحال إلا من خلال تحليل العناصر المكونة لهاته الأطروحة، وهي المفاهيم والكلمات والأفعال والروابط الموجودة في السؤال. ومن هنا فالتحليل هو الذي سيمكننا من تبيان أبعاد الأطروحة والكشف عن الحجج المفترضة للدفاع عنها، وتوضيح أسسها ومسلماتها ورهاناتها. غير أننا مع ذلك سنكون مضطرين إلى القيام "بتحليل مضاد" لعناصر السؤال، من شأنه أن يؤدي بنا إلى مناقشة هاته الأطروحة المتضمنة فيه، وذلك من خلال التوصل إلى أطروحة أخرى مختلفة عنها أو متعارضة معها.
وهكذا قد نحلل السؤال أعلاه، فنكشف عن أطروحة تقول بأن قانون الدولة يزيل العنف غير المشروع ويعوضه بعنف قانوني ومشروع، ثم نحلله من جديد فنكشف عن أطروحة أخرى تقول بأن قوانين الدولة لا تزيل العنف غير المشروع بشكل نهائي، إذ يظل موجودا بالرغم من وجود هذه القوانين، كما أنه قد توجد دولة طاغية ومستبدة يكون عنفها غير مشروع، مادام صادرا عن قوانين هي بدورها غير مشروعة. ومن هنا فتحليل مكونات السؤال والحفر من جديد في مفاهيمه، وتقليبها على كافة أوجهها المحتملة، من شأنه أن يجعلنا نكشف عن تصورات وأفكار وأطروحات أخرى، من شأنها أن تسمح لنا بمناقشة الأطروحة الأولى المتضمنة فيه. وهذا يعني أنه لا وجود في السؤال الإشكالي المفتوح لمناقشة بدون تحليل، كما لا يمكن أبدا الفصل بينهما بشكل قاطع ونهائي.

* أداة الاستفهام "لم":

وإذا تأملنا الآن في أداة استفهام أخرى هي "لم"، فإننا نجدها تطالبنا بالبحث عن العلل والأسباب المتعلقة بالأطروحة المتضمنة في السؤال. ولننطلق من المثالين التاليين:
-         لم الدولة؟ (الامتحان الوطني للدورة العادية 2012، الشعب العلمية)
-         لم الاعتراض على الرأي باسم الحقيقة؟ (الامتحان الوطني للدورة العادية 2013، مسلك العلوم الإنسانية)،
فنحن نجد أن السؤال الأول يتضمن أطروحة ترى أن الدولة لها وجود واقعي، وتطالبنا أداة استفهامه "لم" بذكر الأسباب والمبررات التي تجعل وجود الدولة وجودا ضروريا، كما قد تطالبنا بالبحث في الغايات التي قد جاءت الدولة من أجل تحقيقها، ذلك أن البحث في المبررات والعلل قد يتعلق بمبررات وعلل موجودة في الماضي والحاضر، كالفوضى والصراع والظلم الذي ساد حياة الناس قبل ظهور الدولة، أو قد يتعلق بمبررات وعلل ترتبط بالمستقبل، كإنشاء الدولة من أجل تحقيق الأمن والسلم وضمان تمتع الناس بحقوقهم المشروعة، وهذه هي ما يسمى بالعلل الغائية.
 أما في ما يخص السؤال الثاني، فإننا نجده يتضمن أيضا أطروحة مفادها أنه يتم الاعتراض على الرأي ورفضه من منطلق أنه غير حقيقي أو لا يؤدي إلى الحقيقة، وهو يريد منا أن نقدم المبررات والأسباب التي تجعل البعض يعترض على الرأي ويعتبر أنه لا يمثل الحقيقة، أو يعتبره عائقا أمام الوصول إليها.
وفي جميع الأحوال سيكون على التلميذ أن يحلل السؤال أولا، وذلك من أجل الكشف عن مختلف الأسباب والعلل والمبررات التي تدعم الأطروحة المتضمنة فيه، ثم عليه ثانيا أن يناقش تلك المبررات ويبين مدى وجاهتها وصلاحيتها، بأن يكشف عن ثغرات وجوانب ضعف موجودة فيها.
 وهكذا يمكنه مثلا أن يبين، من خلال مناقشته للأطروحة الكامنة في السؤال الأول، أن الدولة غير ضرورية ويمكن تعويضها بأنظمة اجتماعية من نوع آخر كما يذهب إلى ذلك أنصار النزعة الفوضوية، أو يبين أن للدولة غاية في ذاتها وليست مجرد وسيلة كما يذهب إلى ذلك هيجل، أو يبين مع الماركسية أن الدولة تحيد عن الغايات التي جاءت من أجلها، وأنها تتحول إلى جهاز للهيمنة وخدمة مصالح طبقة معينة.
وفي ما يخص السؤال الثاني، يمكن للتلميذ أن يناقش الأطروحة التي تعترض على الرأي باسم الحقيقة، بأطروحة معارضة لها ترى أن الرأي قد يكون حقيقيا أو قد يلعب دورا كبيرا في الوصول إلى الحقيقة، أو يبين أن هذه الأخيرة نفسها قد يعتريها الخطأ أو قد تكون مجرد رأي، إلى آخر ذلك من الانتقادات التي قد توجه إلى الأطروحة الضمنية الموجودة في هذا النوع من السؤال الإشكالي المفتوح الذي يبتدئ بأداة استفهام "لم" أو ما يشبهها مثل "لماذا".
وعلى العموم، يتبين لنا أن تحليل مكونات السؤال هو الذي جعلنا أولا نبحث عن الأسباب والمبررات التي يمكن أن تستند إليها الأطروحة المفترضة في السؤال، وهذا التحليل نفسه هو الذي أدى بنا ثانيا إلى مناقشة مبررات تلك الأطروحة، ونقد ما قد يترتب عنها من نتائج سلبية. وهذا يعني أن المناقشة في هذا النوع من السؤال تكون متساوقة مع التحليل ومترابطة معه، بحيث يتعذر أن نخصص لكل واحد منهما لحظة خاصة به، بل إننا نزاوج في العرض بين تحليل عناصر السؤال ومناقشة ما ننتهي إليه من نتائج، ثم القيام بتحليل من نوع مغاير من شأنه أن يجعلنا نصل إلى نتائج أخرى مختلفة عن الأولى.
 فمكونات السؤال تحتمل إذن عدة قراءات أو تأويلات ممكنة، من شأن التحليل أن يفضي بنا إلى واحد منها في البداية، ثم عن طريق هذا التحليل نفسه نقدم تأويلا ثانيا يوصلنا إلى أطروحة مغايرة أو معارضة للأطروحة الأولى، مع إمكانية أن يكشف لنا تحليل آخر عن أطروحة ثالثة أو أكثر.

* أداة الاستفهام "من أين":

يمكن أن نقدم مثالين واردين في امتحانين وطنيين سابقين عن هذه الأداة الاستفهامية:
-         من أين يستمد الشخص قيمته؟ (الدورة الاستدراكية للشعب العلمية سنة 2012)
-         من أين يستمد الواجب إلزاميته؟ (الدورة الاستدراكية لمسلك العلوم الإنسانية سنة 2013)
واضح أن السؤال المتعلق بهذه الأداة الاستفهامية "من أين" لا يتضمن أية أطروحة، بل إنه يتساءل عن الأسس والمصادر التي تنبع منها قيمة الشخص، أو تنبع منها إلزامية الواجب. وهكذا يكون على التلميذ أن يحلل مفاهيم السؤال؛ فيحفر في دلالاتها المختلفة، ويتمكن انطلاقا من ذلك أن يحدد مختلف المصادر التي يمكن أن يستمد منها الشخص قيمته في السؤال الأول، ويحدد مختلف المصادر التي تمنح للواجب طابع الإلزام والإكراه في السؤال الثاني.
ويمكن للتلميذ هنا أن يستخدم تصميما تراتبيا أو تدرجيا؛ بحيث يحلل السؤال ويكشف عن مصدر ما من مصادر قيمة الشخص، كأن يكون هذا المصدر هو المظهر الجسدي مثلا، ثم يعمل على نقده بالانتقال إلى مصدر آخر هو المكانة الاجتماعية مثلا، ثم ينتقده لكي يبين عن طريق التحليل أن ما يحدد قيمة الشخص هو العقل الأخلاقي كما يرى كانط، كما يمكنه أن ينتقل إلى موقف آخر مغاير مثل ذلك الذي يتبناه طوم ريغان، والذي يرى أن ما يحدد قيمة الشخص هو خاصية "استشعار الحياة" التي تعتبر أكثر كونية من الخاصية الأخلاقية التي اعتمدها كانط.
وهكذا يتطلب هذا النوع من السؤال معالجة ندمج فيها بين التحليل والمناقشة، وذلك وفق منطق تراتبي وتدرجي، فنحلل مفاهيم السؤال لكي نصل إلى أطروحة ما ترى أن مصدر قيمة الشخص أو مصدر إلزامية الواجب يوجد في هذا الأساس أو ذاك، ثم نحلل من جديد وننتقد هذا المصدر الأول لكي نحدد مصدرا آخرا محتملا، ثم نعترض عليه عن طريق التحليل لكي نصل إلى تحديد مصدر أو أساس آخر. ويمكننا أن نفاضل بين تلك المصادر أو نرتبها عن طريق الاعتماد  على حجج أو مبررات معينة. ونحن سنعتمد في ذلك على أمثلة مستمدة من الواقع، مع توظيف مواقف فلسفية تتبنى هذا المصدر أو ذاك من المصادر التي تستمد منها قيمة الشخص أو الطابع الإلزامي للواجب.
ومن هنا يتبين أنه لا يوجد أيضا انفصال بين التحليل والمناقشة في هذا النوع من السؤال الذي يبدأ بأداة استفهام "من أين"؛ إذ لا توجد لحظة نقوم فيها بتحليل السؤال وننتهي، لكي تبدأ لحظة أخرى نناقش فيها ما قمنا بتحليله، بل إننا نحلل ونصل إلى فكرة أو أطروحة، ثم نحلل من جديد ونصل إلى فكرة ثانية منتقدة للأولى ومتجاوزة لها، ثم نحلل فنصل إلى فكرة ثالثة أو رابعة أو أكثر. وهو ما يعني أننا طيلة لحظة العرض، في السؤال الإشكالي المفتوح، نزاوج بين التحليل والمناقشة، ونجعل ما نعمل على تحليله يؤدي بنا إلى الكشف عن فكرة أو أطروحة مختلفة نناقش بها الفكرة أو الأطروحة السابقة.
 وهذا ما يثبت بالملموس أنه يوجد بين تحليل عناصر السؤال ومناقشة نتائج التحليل اتصال وترابط لا يمكن نقضه، وذلك في مختلف أنواع الأسئلة الإشكالية المفتوحة التي تبتدئ بأدوات الاستفهام التي أوردناها سابقا. ونحن نزعم أن الأمر ينطبق حتى على أسئلة أخرى قد تبتدئ بأدوات استفهام أخرى مثل "ما" أو "من" أو "أي".



السبت، 21 يناير 2017

لحظة تحليل النص في الإنشاء الفلسفي

لحظة تحليل النص في الإنشاء الفلسفي
نموذج تطبيقي

الأستاذ محمد الشبة






النص:

« ينبغي أن نسأل: ما هو دور الغير في تحقق الوعي الفردي؟ إننا نخفق في النظر إلى أنفسنا ككليات؛ ولذا فإن الغير ضروري حتى ولو كان ذلك بصورة مؤقتة لاستكمال فهمنا لذواتنا، وهو أمر يستطيع الفرد أن يتوصل إليه جزئيا فقط بالاستناد إلى ذاته هو. أليست الرؤية التامة والكاملة للذات ممكنة عبر المرآة؟ أو كما هو الحال بالنسبة للرسام، أليست رؤية تامة تلك التي يحققها عبر رسمه صورة شخصية لنفسه؟ إن الجواب في كلتا الحالتين هو النفي.
إن الصورة التي أراها في المرآة هي بالضرورة غير مكتملة؛ ومع ذلك، وبمعنى من المعاني، فإنها توفر لنا نمطا أوليا من إدراك الذات، ولكن شخصا يحدق في يمنحني الشعور بأنني أشكل وحدة كلية.» 


                                               حلل النص وناقشه

(الامتحان الوطني الموحد للبكالوريا، الدورة الاستدراكية 2011، مسالك الشعب العلمية والتقنية والأصيلة.)
مرجع النص: تزفيتان تودوروف؛ ميخائيل باختين: المبدأ الحواري، ترجمة فخري صالح، مؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الثانية، 1996، ص:176-177.


في دليل التصحيح:
هناك 3 عناصر:
- تحديد أطروحة النص وشرحها 02 ن
- تحديد مفاهيم النص وبيان العلاقات بينها 02 ن
- تحليل الحجاج المعتمد 01 ن


• العمل في المسودة:

المفاهيم الأساسية:

- الغير: هو الآخر من الناس، ذلك الأنا الذي ليس أنا...
- الوعي الفردي: هو كل ما يحمله الفرد كذات من أفكار ومشاعر..
- النظر إلى أنفسنا ككليات: أي معرفة ذواتنا بشكل كلي وتام ومن جميع الجوانب...
- فهمنا لذواتنا: معرفتنا بما يوجد بداخلنا من أفكار وأحاسيس..
- نمطا أوليا من إدراك الذات: أي معرفة الجانب الظاهري والجسدي من الإنسان
- وحدة كلية: أي أن الجانب الجسدي والروحي مترابطان ويشكلان ذاتا واحدة؛ فعندما يدركني الغير لا يدرك جسدي فقط بل يدرك أيضا مشاعري وأفكاري...
- الشخص: هو الذات العاقلة والمفكرة والواعية والحرة والمسؤولة. والشخص هو الغير هنا؛ أي ذلك الشخص الآخر الذي ينظر إلي ويحكم علي...


العلاقات بين المفاهيم:

- الغير↔الوعي الفردي: الغير شرط ضروري لتحقق الوعي الفردي؛ أي لا يمكن أن يحس الأنا بأحاسيس أو يفكر في قضايا معينة إلا إذا كان الغير سببا أو طرفا فيها...
- الفهم الكلي للذات ↔الغير: لا يمكن أن نفهمن أنفسنا بشكل كلي إلا بواسطة الغير. وهذا يعني أنه بدون الغير يكون فهمنا لذواتنا فهما جزئيا...
- إدراك الذات↔المرآة: لا تجعلني المرآة أدرك ذاتي سوى إدراكا جسديا وخارجيا وغير مكتمل
- الوحدة الكلية للذات↔ الشخص الآخر(الغير): لا يمكن أن أدرك ذاتي إدراكا كليا وأحس بوحدتها إلا بواسطة الغير كشخص آخر يجعلني أدرك جوانب في ذاتي لا أستطيع إدراكها لوحدي...


حجاج النص:

- الحجة الأولى: أسلوب الاستدلال العقلي؛ وجود الغير ضروري من أجل أن يفهم الأنا ذاته فهما كليا لأنه لا يستطيع أن يدرك ذاته لوحده إلا إدراكا جزئيا.
- الحجة الثانية: استخدام المثال المتعلق بالمرآة واللوحة الفنية؛ وذلك من أجل أن يبين أنهما لا يستطيعان أن يجعلان الشخص يدرك ذاته إدراكا تاما ماداما لا يقدمان له سوى الجانب الظاهري والخارجي...
- الحجة الثالثة: أسلوب الاستدراك(ومع ذلك...) لكي يبين على أن المرآة تمنحنا إدراكا أوليا للذات...
- الحجة الرابعة: أسلوب الاستدراك(ولكن..) لكي يوضح أن الغير هو وحده دون المرآة، أو غيرها من الأشياء، من يستطيع أن يجعلني أدرك ذاتي إدراكا كاملا..


أطروحة النص:


لا يمكن للأنا أن يحقق ذاته ويعيها ويعرفها بشكل كامل إلا بواسطة الغير. ومن هنا ضرورة وجود الغير بالنسبة لوعي الأنا بذاته وإدراكه الكلي لها.

إشكال النص:

هل يمكن أن أعرف كل الجوانب المتعلقة بذاتي بدون الحاجة إلى الغير؟ وما دور هذا الأخير في فهمي المتكامل لذاتي؟ وهل مرآة الغير فعلا مرآة شفافة؟ ألا يمكن للغير أن يكون أحيانا عائقا أمام معرفتي بذاتي وتحقيقي لها؟

أمثلة لتوضيح أطروحة النص وأفكاره:

- أمثلة لصفات أخلاقية: كالصدق والوفاء والأمانة...
- أمثلة لصفات نفسية: كالخجل أو الغضب أو الحب أو الكراهية..
- أمثلة لصفات عقلية: كالذكاء أو قوة الفكر أو الموهبة الفنية أو الأدبية...


* العمل في ورقة التحرير:

يرى صاحب النص أن الشخص لا يمكنه أن يحقق ذاته ويعيها ويعرفها بشكل كامل إلا بواسطة الأنا الآخر، ذلك الغير الذي هو الأنا الذي ليس أنا. وقد تساءل عن الدور الذي يمكن أن يلعبه الغير في جعل الأنا قادرا على الوعي بذاته، وتحقيق معرفة كاملة بها. وأجاب عن ذلك من خلال التأكيد على أننا لا يمكن أن نفهم أنفسنا ونعرف طبيعة مشاعرنا وأفكارنا، بشكل تام ومن جميع الجوانب، إلا إذا اعتمدنا في ذلك على الغير. فارتكاز الذات على نفسها واعتمادها على إمكانياتها الذاتية، يجعلها لا تدرك ذاتها إلا بشكل جزئي؛ أي من خلال إدراك جوانب معينة وعدم الانتباه إلى جوانب أخرى. فلا يمكنني أن أدرك صفة عقلية تميزني كالذكاء مثلا، إلا إذا جعلني الغير أدركها حينما أتفوق عليه في مسابقة مخصصة لهذا الغرض، كما لا يمكنني أن أعرف أنني وفي أو أمين أو صادق إلا إذا اعترف لي بها الغير من خلال العلاقات التي أقيمها معه.
ولذلك فالغير، باعتباره وعيا آخرا يشبهني ولا يشبهني، هو الذي بإمكانه أن يمثل حسب صاحب النص تلك المرآة التي بإمكانها أن تجعلني أدرك الجوانب التي لا أعرفها عن نفسي، والتي لا يمكنني أن أعرفها لوحدي.
وقد تساءل الفيلسوف في نصه عن المرآة الزجاجية التي نرى فيها وجوهنا، كما تساءل عن اللوحة الفنية التي يرسم فيها الفنان صورة مطابقة إلى حد كبير للمظهر الخارجي لإنسان ما، وتساءل عن مدى قدرتهما على جعلنا نعرف أنفسنا بشكل كامل. وقد أجاب عن هذا التساؤل بالنفي؛ حيث أكد من خلال استثماره لهذا المثال أن المرآة المادية أو اللوحة الفنية لا تجعلني كذات أو كشخص أعرف سوى الجانب الظاهري أو الجسدي، أما الجانب الباطني أو الروحي فإن المرآة الزجاجية أو اللوحة لا تمكناني من التعرف عليه. وهكذا فالصورة التي أراها في المرآة هي صورة ناقصة، لأنها تقدم لي فقط جانبا واحدا هو الجانب الجسدي، لكي تظل مجرد معرفة أولية، أي سطحية وظاهرية وغير مكتملة.
وبالرغم من أن المرآة تقدم لي صورة أولية وظاهرية عن ذاتي، فإن صاحب النص يستدرك قائلا بأن الشخص الآخر الذي ينظر إلي بإمعان هو الذي بإمكانه أن يجعلني أدرك جوانب نفسية وفكرية وأخلاقية من ذاتي، لا تستطيع المرآة أو اللوحة أو أي شيء آخر أن يجعلني أدركها أو أحقق معرفة بها. وهذا ما يجعل وساطة الأشياء غير كافية بالنسبة للأنا لكي يدرك ذاته، بل هو يحتاج إلى وساطة بشرية تتمثل في الغير الذي يقف بينه وبين ذاته، ويجعل إدراكها والوعي بها أمرا ممكنا. 



                                    نموذج إنشاء متكامل للنص


- مقدمة ممكنة:

من العادات اليومية التي دأب عليها الأفراد في وقتنا المعاصر هي رؤية أنفسهم في المرآة. لكن يبدو أن هذه المرآة الزجاجية لا تجعلنا نتعرف سوى على هندامنا ومظهرنا الجسدي الخارجي. ولذلك يبدو أننا في أمس الحاجة إلى مرآة آدمية من أجل أن نتعرف على عالمنا الداخلي الذي هو مجموع المشاعر والأفكار التي توجد بذواتنا. لكن بقدر ما أن الغير يكون صادقا معي ويساعدني على معرفة ذاتي، فإنه بالمقابل قد يكذب علي ويقدم لي صورة خادعة عن نفسي. وهذا ما يدفعنا إلى التساؤل: هل يمكن أن أعرف كل الجوانب المتعلقة بذاتي بدون الحاجة إلى الغير؟ وما دور هذا الأخير في فهمي المتكامل لذاتي؟ وهل مرآة الغير فعلا مرآة شفافة؟ ألا يمكن للغير أن يكون أحيانا عائقا أمام معرفتي بذاتي وتحقيقي لها؟


- تحليل ممكن: 

يرى صاحب النص أن الشخص لا يمكنه أن يحقق ذاته ويعيها ويعرفها بشكل كامل إلا بواسطة الأنا الآخر، ذلك الغير الذي هو الأنا الذي ليس أنا. وقد تساءل عن الدور الذي يمكن أن يلعبه الغير في جعل الأنا قادرا على الوعي بذاته، وتحقيق معرفة كاملة بها. وأجاب عن ذلك من خلال التأكيد على أننا لا يمكن أن نفهم أنفسنا ونعرف طبيعة مشاعرنا وأفكارنا، بشكل تام ومن جميع الجوانب، إلا إذا اعتمدنا في ذلك على الغير. فارتكاز الذات على نفسها واعتمادها على إمكانياتها الذاتية، يجعلها لا تدرك ذاتها إلا بشكل جزئي؛ أي من خلال إدراك جوانب معينة وعدم الانتباه إلى جوانب أخرى. فلا يمكنني أن أدرك صفة عقلية تميزني كالذكاء مثلا، إلا إذا جعلني الغير أدركها حينما أتفوق عليه في مسابقة مخصصة لهذا الغرض، كما لا يمكنني أن أعرف أنني وفي أو أمين أو صادق إلا إذا اعترف لي بها الغير من خلال العلاقات التي أقيمها معه.
ولذلك فالغير، باعتباره وعيا آخرا يشبهني ولا يشبهني، هو الذي بإمكانه أن يمثل حسب صاحب النص تلك المرآة التي بإمكانها أن تجعلني أدرك الجوانب التي لا أعرفها عن نفسي، والتي لا يمكنني أن أعرفها لوحدي.
وقد تساءل الفيلسوف في نصه عن المرآة الزجاجية التي نرى فيها وجوهنا، كما تساءل عن اللوحة الفنية التي يرسم فيها الفنان صورة مطابقة إلى حد كبير للمظهر الخارجي لإنسان ما، وتساءل عن مدى قدرتهما على جعلنا نعرف أنفسنا بشكل كامل. وقد أجاب عن هذا التساؤل بالنفي؛ حيث أكد من خلال استثماره لهذا المثال أن المرآة المادية أو اللوحة الفنية لا تجعلني كذات أو كشخص أعرف سوى الجانب الظاهري أو الجسدي، أما الجانب الباطني أو الروحي فإن المرآة الزجاجية أو اللوحة لا تمكناني من التعرف عليه. وهكذا فالصورة التي أراها في المرآة هي صورة ناقصة، لأنها تقدم لي فقط جانبا واحدا هو الجانب الجسدي، لكي تظل مجرد معرفة أولية، أي سطحية وظاهرية وغير مكتملة.
وبالرغم من أن المرآة تقدم لي صورة أولية وظاهرية عن ذاتي، فإن صاحب النص يستدرك قائلا بأن الشخص الآخر الذي ينظر إلي بإمعان هو الذي بإمكانه أن يجعلني أدرك جوانب نفسية وفكرية وأخلاقية من ذاتي، لا تستطيع المرآة أو اللوحة أو أي شيء آخر أن يجعلني أدركها أو أحقق معرفة بها. وهذا ما يجعل وساطة الأشياء غير كافية بالنسبة للأنا لكي يدرك ذاته، بل هو يحتاج إلى وساطة بشرية تتمثل في الغير الذي يقف بينه وبين ذاته، ويجعل إدراكها والوعي بها أمرا ممكنا. 


- مناقشة ممكنة: 

لقد سعى النص في مجمله إلى التأكيد على ضرورة وجود الغير بالنسبة للأنا، لكي يعي ذاته ويحققها ويتعرف عليها بشكل كامل. ويبدو أن قيمة أطروحة النص تكمن في تأكيده على الدور الكبير الذي يلعبه الغير في جعلي أعي ذاتي وأعرفها من جوانب متعددة. وهكذا لا يمكنني، مثلا، أن أعرف مواهبي الفنية أو قدراتي العقلية أو حتى الجسدية، إلا إذا مكنني الغير من ذلك. فمسابقة في الشطرنج أخوضها مع الغير من شأنها أن تعرفني بذكائي إذا ما انتصرت فيها عليه، كما أن مباراة في الملاكمة قد تبرز لي قوتي الجسدية إذا ما هزمت فيها الغير المنافس لي. ونفس الشيء يمكن قوله في مباريات أو مسابقات فنية ورياضية وثقافية، إذ عن طريق الصراع الذي يجمعني مع الغير أستطيع أن أبرز المزايا والخصائص الإيجابية التي أتميز بها، كما قد أقف عند الخصائص السلبية وجوانب الضعف التي قد تظهر لي من خلال هذا الصراع مع الغير. وهذا ما أكده الفيلسوف هيجل حينما اعتبر أن وجود الغير ضروري من أجل أن يثبت الأنا ذاته ويحقق حريته. فالمخاطرة بالذات أثناء هذا الصراع هو ما قد يمكن أحد الطرفين من انتزاع اعتراف الغير به، لكي يصبح سيدا ويجعل الطرف الآخر عبدا تابعا له. فالغير إذن يعتبر بمثابة مرآة أتعرف فيها على ذاتي، ولذلك اعتبر سارتر أن الغير هو الوسيط الضروري بيني وبين نفسي. فالحيوانات وأشياء الطبيعة قد تجعلني ألبي فقط حاجاتي البيولوجية، فهي من منظور هيجل تغرقني في الحياة الطبيعية والعضوية. وللنجاة من هذا الغرق لا بد من التوجه نحو الغير، الذي هو وحده من سيمكنني من تحقيق رغباتي الإنسانية، العاطفية والفكرية والسياسية، وليس فقط الحاجات الغريزية والبيولوجية.
وإذا كان الإنسان كائنا اجتماعيا ويحتاج فعلا إلى الغير، فإن هذه الفكرة تظل صحيحة في عمومها. ولكن إذا نظرنا إلى الغير باعتباره يدل على مجموعة من الأفراد الذين يختلفون من حيث طبيعة علاقتهم العاطفية أو الاجتماعية معي، بحيث منهم الصديق والعدو، الطيب والخبيث، فإنه قد يحق لنا القول بأن بعض الأغيار على الأقل قد يمثلون عاملا سلبيا بالنسبة إلي، فهم قد يدمرون حياتي أو يهددونني في وجودي، عوض أن يساعدونني على تطوير قدراتي ومواهبي. وإذا كان سارتر يعتبر أن الغير وسيطا ضروريا بيني وبين ذاتي، فإن هذه الوساطة لا تكون صالحة في جميع الأحوال؛ إذ قد يمارس الغير علي شتى أنواع التضليل والكذب والخداع. فبدل أن يجعلني أعي ذاتي وأتعرف على حقيقة مشاعري وأفكاري وقدراتي، فإنه قد يكون مرآة منكسرة تقدم لي صورة ناقصة أو خادعة أو مشوهة عن ذاتي. ولهذا، فالأنا قد يفر مهرولا من عالم الغير نحو عزلته الخاصة، وقد يتأمل ذاته داخل عزلته هاته ويعرفها على نحو دقيق وبشكل هادئ، بعيدا عن كل جلبة أو ضوضاء يمكنها أن تحجب عنه حقيقة ذاته، أو تجعله يراها على نحو غير حقيقي. ولعل هذا ما جعل فيلسوفا كديكارت يعتبر أن الغير غير ضروري من أجل وعي الأنا بذاته. ففي عزلته الأنطلوجية وبعيدا عن الغير، تمكن ديكارت من الوعي بذاته ومعرفتها وإثبات وجودها. أما الغير فقد أثبته ديكارت عن طريق الاستدلال بالمماثلة، مما جعله يعتبر أن وجود الآخرين هو وجود تخميني وافتراضي، أو أنه وجود جائز ومحتمل. 


- خاتمة ممكنة: 

وهكذا يتبين أن وعي الأنا بذاته ومعرفته بها من الصعب أن يكون ممكنا بدون تواجده مع الغير وانفتاحه عليه. لكننا نرى أنه لا بد من الإقرار بأن هذه المعرفة تظل نسبية من جهة، كما يتعين الحذر من ذلك الغير الذي قد يقدم لي صورة خاطئة عن ذاتي، أو يمارس علي مختلف أشكال الكذب والخداع، أو يكون عاملا مهددا لي وعائقا يمنعني من معرفة ذاتي، ويمنعني من تطوير قدراتي ومواهبي. ولعل هذه الازدواجية التي يمثلها الغير بالنسبة إلي، تعود إلى طبيعة العلاقة الموجودة بيني وبينه. ومن هنا يحق لنا أن نتساءل: كيف ينبغي أن تكون علاقتي بالغير لكي يكون وسيطا ناجحا ومرآة صادقة، تمكنني فعلا من معرفة نفسي وتطوير إمكانياتي الذاتية؟

الأحد، 13 نوفمبر 2016

رهان منهجية الكتابة الفلسفية



 رهان منهجية الكتابة الإنشائية الفلسفية

 بقلم: محمد الشبة



إن المنهجية المتعلقة بالكتابة الإنشائية الفلسفية لا تقدم صيغا جاهزة للتطبيق الحرفي من قبل التلميذ، بل هو مطالب في كل لحظة يكون خلالها أمام موضوع اختباري أن يبدع منهجيته المتناسبة مع قدراته الذاتية من جهة، ومع طبيعة الموضوع قيد التحليل والنقاش من جهة أخرى.
لكن الرهان المتعلق بمسألة المنهجية هو في نظري يتعلق بالكيفية التي يجب، اعتمادها من قبل مدرس الفلسفة، لكي يجعل التلميذ قادرا على الكتابة بشكل ممنهج ومتناسب مع روح التفكير الفلسفي.
وهذا الرهان يجعلنا ولاشك نتواجد في صلب العملية التعليمية التعلمية المرتبطة بالدرس الفلسفي بالثانوي ألتأهيلي. فكيف نجعل من ممارستنا الفصلية قادرة على جعل التلميذ يكتسب القدرات والشروط الضرورية للكتابة الإنشائية الفلسفية؟ وهل منهجية الكتابة الفلسفية قابلة للتعلم أصلا؟

إذا ما أردنا مقاربة هذا الإشكال، فربما علينا التمييز بين مستويين رئيسيين:

- المستوى الأول يتعلق بالمتعلم في حد ذاته، بمواصفاته التشخيصية ومؤهلاته الذاتية؛ إذ من المعروف أنا نتعامل في سلك الباكلوريا مع تلميذ قطع مراحل ومستويات في التعليم الابتدائي والثانوي الإعدادي والتأهيلي، ولذلك فمن المفروض أنه قد اكتسب مجموعة من القدرات اللغوية والمعرفية والمنهجية التي تجعله مؤهلا للاندماج السريع في الكتابة الفلسفية واكتساب ضوابطها المنهجية. لكن ما هو حاصل على أرض الواقع، ونعاني منه كمدرسين، هو أننا نكون بإزاء تلاميذ ليس لديه رصيد مناسب في المطالعة الشخصية، كما أنهم لم يكتسبوا خلال مشوارهم الدراسي القدرات الكافية التي من شأنها أن تساعد مدرسهم في الباكلوريا على تمهيرهم بسرعة على الكتابة الإنشائية الممنهجة. أمام هذا المشكل فنحن نقوم كمدرسين بحث هذه الفئة من التلاميذ على القيام بالتمارين الفلسفية الإضافية، لكي يتمكنوا من قراءة أكبر قدر من النصوص والعمل على تحليلها وإعمال العقل فيها في أفق تجاوز الصعوبات التي تعوقهم أثناء الكاتبة الإنشائية. والنتائج بطبيعة الحال تختلف حسب طموح كل تلميذ ومجهوداته الفعلية من أجل تدارك النقص الحاصل لديه في الجوانب اللغوية والمعرفية والمنهجية. لكن ينبغي الاعتراف هنا، بأنه توجد استثناءات تتعلق بتلاميذ نجباء ومتميزين عن أقرانهم، نظرا لأن رصيدهم في القراءة الشخصية أكبر، ولذلك يسهل على مدرس الفلسفة التعامل معهم وتلقينهم المبادئ الأساسية لمنهجية الكتابة الفلسفية.
وإذا كنا نؤكد هنا على مسألة القراءة المرتبطة بالمجهود الذاتي الذي يقوم به التلميذ خارج الفصل الدراسي وبشكل متواصل، فإننا نسعى إلى التأكيد على مسألة أساسية وهي أن المنهجية في جوانب منها غير قابلة للاكتساب الميكانيكي والآلي، بل إنها تستبطن وترسخ من خلال مطالعات التلميذ وقراءاته السابقة للأعمال الفكرية والأدبية، لأنها هي التي من شأنها أن تكسبه وبشكل أصيل قدرات لغوية ومعرفية ومنهجية يمكنه استثمارها في كل لحظة وحين. فالممارسة الفعلية المرتبطة بالقراءة المتواصلة والاحتكاك بالنصوص وإعمال العقل فيها هي التي تشكل في نظرنا المفتاح الأساسي لاكتساب منهجية الكتابة الإنشائية الفلسفية. لكن كلامنا هذا لا يعني إعفاء المدرس من أي مجهود لجعل التلميذ قادرا على إنجاز كتابة إنشائية مميزة. لكن كيف يمكنه تحقيق ذلك؟
بإجابتنا على هذا السؤال نكون قد انتقلنا إلى المستوى الثاني.

- إن المستوى الثاني يتعلق هنا بما يجب على مدرس الفلسفة القيام به من ممارسات وإنجازات لكي يمكن التلاميذ ويساعدهم على اكتساب منهجية التفكير الفلسفي. وهنا يمكن التمييز بين مهمتين رئيسيتين يكون على مدرس الفلسفة القيام بهما لتحقيق المطامح المنشودة بصدد منهجية التفكير الفلسفي. المهمة الأولى تتعلق بتمهير التلاميذ على القدرات الجزئية المرتبطة بالكتابة الإنشائية في كليتها؛ ويتعلق الأمر هنا بالقيام بعمليات تعلمية وبتمارين فلسفية تمكن التلاميذ من الوقوف الفعلي عند الطرق التي يتم من خلالها استخراج الإشكال المتعلق بالنص الفلسفي مثلا، وكذلك كيفية تحديد أطروحته واستخراج أساليبه الحجاجية وتحديد وظائفها في النص...الخ. ولعل ارتكاز الدرس الفلسفي على الاشتغال بالنصوص يمكن ولا شك من تحقيق هذه الأهداف الجزئية التي تمكن التلميذ من الإنجاز الكلي للكتابة الإنشائية. ولا ننسى في هذا الإطار ضرورة حث التلاميذ على إنجاز التراكيب الخاصة بالمحاور وبالدرس ككل، نظرا لما يمثله هذا العمل من تعويد التلميذ على الكتابة الفلسفية الممنهجة، بالإضافة إلى ضرورة الاهتمام بتصحيح الفروض المحروسة للوقوف عند الأخطاء التي يرتكبها التلاميذ، وتنبيههم إلى الوعي بها ووضع إستراتيجية لتجاوزها لاحقا.
أما المهمة الثانية فتتعلق بطريقة إنجاز المدرس لدرسه في حد ذاته، إذ يتعين أن تكون مشحونة بروح التفلسف الحقيقية وتجسد أمام التلميذ منهجية التفكير الفلسفي نفسها؛ إذ نعتقد أنه مثلما يتعلم التلاميذ المنهجية عن طريق التمرن فهم يكتسبونها أيضا عن طريق التقليد؛ تقليد مدرسهم وهو ينجز الدرس أمامهم بطريقة ممنهجة تعتمد التدرج المنطقي بين الأفكار و بين اللحظات المختلفة للحصة الدراسية. كما أن التقليد هنا يجب أن يتعلق أيضا بإنجاز المدرس الفعلي لمنهجية الكتابة الفلسفية؛ إذ يتعين عليه –وهذا ما فعلته أنأ شخصيا- أن يعمل على الإجابة عن مواضيع الفروض المحروسة أو الامتحان الوطني من خلال كتابة إنشائية منظمة لكي يقدمها للتلاميذ كنموذج ملموسة لكيفية تطبيق المنهجية. وبطبيعة الحال فالتلاميذ سوف لن يقلدوا هنا أستاذهم بشكل حرفي، بل فقط يستلهمون من كتابته روح التفكير الفلسفي الممنهج، لكي يكون عليهم تجسيد هذه الروح في وضعيات اختبارية تتعلق بمواضيع أخرى. فروح التفكير الفلسفي هي روح الإبداع الذاتي الحر الذي لا يمكن توقعه بشكل جاهز ومسبق، خصوصا وأن الأسئلة والنصوص والأقوال الفلسفية تفاجئنا دوما بما هو جديد وبما يتعين علينا التعامل معه بروح متجددة وبما يناسب طبيعة الموضوع المطروح.
إن هذه الفكرة الأخيرة تجعلنا نقول إن المنهجية غير قابلة للتعلم في تفاصيلها الجزئية، إذ تقتضي من التلميذ القدرة على الإبداع الذاتي والتعامل مع مواضيع يراها لأول مرة.
هكذا لا يمكننا تعلم المنهجية بألف التعريف، بل ما يمكننا تعلمه هو أشكال من التطبيق المختلفة لها، ولعل هذا عين ما قصده كانط من أنه لا يمكننا تعلم الفلسفة بل ما يمكن تعلمه هو أشكال من التفلسف.